قضايا نظرية: طبع الكاش وجذور التضخم
منذ أيام الإنقاذ ظللت اكرر ان جنوح النظام للطبع المفرط للعملة رب رب قد أطلق شيطان التضخم ودمر الاقتصاد السوداني. والقول بان طباعة الكاش هو السبب الاهم لظاهرة التضخم لا يعني الذهول عن أسباب اخري اعتقد انها ثانوية في السودان ولكنها قد تكون اكثر اهمية في بلدان وسياقات مختلفة.
وكررت ان اهم خطوة لاستعادة عافية الاقتصاد السوداني هو إيقاف الطبع المفرط للكاش والعودة لقانون بنك السودان القديم -قانون 1959 حيث تنص المادة (57) على انه:
“يجوز للبنك أن يمنح سلفيات مؤقتة للحكومة بالشروط التي يقررها على ألا يتجاوز مجموع السلفيات المستحقة في أي وقت 15% من تقديرات الإيرادات العامة للحكومة في السنة المالية التي تمنح فيها السلفيات وعلى أن تسدد جميع تلك السلفيات خلال مدة لا تجاوز الستة أشهر التالية لنهاية السنة المالية التي منحت فيها تلك السلفيات.”
هذا يعني ان الحكومة لو لم تسدد ما اقترضته والذي لا يتجاوز 15% من إيراداتها لا تستطع ان تقترض من البنك أو ان تطبع فلوس لتمويل نفسها.
وهذا يعني ان الحكومة لا تستطع ان تطبع ولا تستدين من البنك المركزي. وحتى السماح بالاستدانة في حدود 15% كان الهدف منها هو تقليل اثار موسمية الإيرادات التي ترتفع عقب مواسم الحصاد وتنخفض في باقي العام. كان الهدف هو ان تقترض الحكومة في الشهور الصعبة وتدفع بعد الحصاد. ولا يستطيع رئيس ولا رئيس وزراء ولا مدير أمن ان يجبر البنك على الطباعة.
ماذا حدث لبنك السودان؟ غيرت الإنقاذ قانون 1959 وافقدت البنك استقلاليته وحولته الي مجرد مكنة طباعة عملة تأتمر بأمر المشير ومدير الأمن.
وقد كان اهم واجب اقتصادي لحكومة الثورة هو اصلاح الخلل والعودة لقانون 1959 فماذا فعلت؟ اتضح انه كانت هناك تفاهمات على ان يتبع البنك المركزي للمكون العسكري أثناء فترة الحكومة الانتقالية. وهذه من أكبر الجرائم الاقتصادية في العامين السابقين على الاطلاق اذ ظل البنك تابع للجيش والجنجويد ويطبع في الفلوس كلما طلبوا منه ولا أحد يعرف كم يطبع ولا أوجه صرف الكاش المطبوع.
تباهي الجنرال حميدتي انه حينما تم تكوين الحكومة الانتقالية منحها من أموال البنك المطبوعة 200 مليار جنيه ومر ذلك الكبر مرور الكرام ولم ينبس خبراء الحكومة الاقتصاديين ببنت شفة وهكذا استمر طبع الكاش والتضخم وتهاوي الجنيه.
ولكن لا يتفق بعض الاقتصاديين المرموقين عن ان الطبعة المفرطة للعملة هي سبب التضخم.
علي سبيل المثال يقول وزير المالية الأسبق ان لا علاقة للتضخم بطباعة النقود وبهذا يبرر زيادته للأجور بنسبة 560% وتمويلها رب رب رغم انه قبل زيادة المرتبات كان علي علم ودراية بأخطار التسيب النقدي.
يقول الوزير ان سبب التضخم هو “عدم اكتمال الاسواق” أو ببساطة الاحتكار. السؤال هو ما الذي يرفع من معدل الاحتكار مئات المرات في العام بما ينتج كل هذا التضخم؟ هل ازدادت حدة الاحتكار حتى صارت هناك جهة واحدة تحتكر ونتاج وتوزيع كل سلعة؟
القول بان الاحتكار هو سبب التضخم لا أسس نظرية له وربما يشير القول الي ارتباك فهم مصطلح التضخم الذي هو تغير في مستوي الأسعار وليس علوها وثباتها في اعاليها. فعلي سبيل المثال سويسرا من اغلي دول العالم على الاطلاق، ولكن ظل التضخم في حدود 0% في العقدين السابقين بما أنا الأسعار غالية، ولكنها لا تتغير.
النتيجة المباشرة للقول بان لا علاقة لطبع النقود المفرط بتضخم الاسعار انه من الأفضل ان تطبع الحكومة كما تشاء وتبسط الشعب وتدعم المنتجين والمستهلكين.
أي ان أي دولة نامية يمكنها تحقيق رفاهية عالية بزيادة طباعة النقود بما ان الطباعة لا ضرر منها. وإذا كانت طباعة الكاش لا تضر، لماذا لم يرفع الدكتور البدوي أو هبة أو جبريل المرتبات بنسبة 950000% واكتفوا حتى الان بنسبة 560%؟
ما لا شك فيه ان السياقات مختلفة بين الدول النامية والاقتصادات الكبري، ولكن حتى في الاقتصادات الكبري فان طبع الكاش والتوسع في الصرف الحكومي العجزي بلا حدود يولد تضخم حتى في بلد مثل امريكا.
في الشهور الأخيرة ارتفعت معدلات التضخم في منطقة اليورو وفي الولايات المتحدة وقد اعلن بنكها المركزي عن حالة طواري لمحاربة التضخم بالتدرج في رفع أسعار الفائدة، إضافة الي إجراءات اخري مثل تخفيض حزم بايدن التوسعية علي مستوي الصرف الحكومي.
صحيح في رأيي ان الرابط متين بين التوسع في طبع الكاش والتضخم في الدول النامية، ولكنه أضعف قليلا في الاقتصادات الكبري، ولكن هذا الضعف وهم بصري اذ ان جزء من التضخم يذهب لسوق المال والاصول لترتفع أسعار الاسهم والاصول العينية والمالية بما يخفف من ارتفاع اسعار السلع.
اذن حتى في الدول الغنية فان الطباعة ينتج عنها تضخم يتوزع بنسب مختلفة حسب السياق بين أسعار الأصول المالية في ال STOCK MARKET وأسعار السلع والخدمات. ويحدث ذلك حتى في اقتصاد استثنائي كالولايات المتحدة التي تتمتع بمزايا جبارة ناجمة عن كون دولارها هو عملة التجارة والتبادل العالمي.
أضف الي ذلك ان تأثير طباعة الكاش أو زيادة عرض النقود على التضخم تعتمد على وجود مقدرات إنتاجية جاهزة، ولكنها معطلة بغياب الطلب الفعال. هذه الإمكانيات الإنتاجية موجودة في الدول الغنية بدرجات مختلفة لذلك يتوزع تأثير زيادة عرض النقود بين زيادة الإنتاج وزيادة الأسعار. أما في السودان فان هذه القاعدة الإنتاجية لا توجد لذلك يذهب كل أثر الكاش المطبوع راسا الي الأسعار.
وجود طاقة إنتاجية معطلة وجاهزة ووجود أسواق مال وأصول ضخمة يجعل من ديناميكيات التضخم مختلفة عما هي عليه في الدول النامية التي تفتقد هذه الطاقات والأسواق ويترتب علي ذلك ان اهم أسباب التضخم في الدول الكبرى التي تتمتع بسياسة نقدية مسؤولة وعميقة الخبرة وبعيدة عن هيمنة الجهاز التنفيذي ان اهم أسباب التضخم في العقدين الاخرين وهو نمو الأجور بالذات لو فاق معدل نمو الإنتاجية. الذهول عن اختلاف سياق الاقتصاد السوداني عن نظيره الأمريكي أو الأوروبي تجاوز فادح لا يجوز.
أسئلتي لكل من يعتقد ان لا لعلاقة لطباعة العملة بأفراط هي:
❗إذا كانت طباعة النقود لا علاقة لها بالتضخم، ما هو سبب التضخم في السودان؟
❗وما هي الخلفية التحليلية التي تجعل جذر التضخم يزداد سوءا كل يوم وما هي الأدلة التجريبية والنظرية؟
❗وإذا كانت طباعة الكاش لا علاقة لها بالتضخم، لماذا لا يدعو الخبراء الحكومة للطباعة وتوفير دخل أساسي شامل لكل مواطن في حدود 300 مليون جنيه في الشهر أو حوالي ذلك؟
❗أصلا إذا كانت طباعة الكاش لا علاقة لها بالتضخم ولا تضر لماذا توجد دول فقيرة؟ هل سبب الفقر هو كسل الدول النائمة عن الطباعة؟
❗حسب علمي ان القيد الوحيد على طباعة العملة للخروج من المآزق هو إشكالية التضخم، ولكني على استعداد لان اتنور بما خفي عني. وفوق كل ذي علم عليم.
دمعتصم أقرع

