آراء

الثورة والفرصة الذهبية: نحو عقد اجتماعي جديد 

لا حاجة بنا للتذكير بنمو واستشراء الاستبداد والاستغلال والفساد في المحتمعات الإنسانية؛ الأمر الذي كان وما يزال- ونخشى أن يظل – عائقا/حاجزا دون صياغة وتوقيع وتنزيل العقد الإجتماعي الرشيد بين الحاكم والمحكوم منذ فجر التاريخ … ولنا في قصة فرعون عِبَرٌ وحِكَم لجهة طموح الناس لحياة أفضل على المستوى الإنساني والاجتماعي.

والخطاب هنا … وهنا تحديدا : موجه إلى معاشر السادة الحاكمين المتشاكسين في الشقين المدني والعسكري.
# الأخطر والأعمق من وفي قصة فرعون هو (شكاوي الفلاح المصري الفصيح ) : لدى وكيل الفرعون. افتتح الفلاح شكواه بقوله : إذا نزلت الى بحر العدالة وابحرت والريح معك : لن تعصف العاصفة بشراعك، لن يضل قاربك الطريق (…) واستطرد الفلاح – وهذا هو محور القصة – شارحا حاله و مظلمته ومفسرا ظروفه بطريق سردي بديع تميز عنده بالقدرة على الإثارة من خلال التعبير الناقد المحكم العميق، واختيار الكلمة التي تصل كالسَّهم إلى مرماها….

# توفر أجهزة و وسائط التواصل الاجتماعي والإعلام المتعدد والمتنوع المَوَّار في عصرنا مِنصَّات متعددة لتقديم شكاوي الفقراء و المظاليم والمهمَّشين وكذا المهشَّمين الذين يتمددون كالوجع الخرافي في أصقاع وفيافي هذا الوطن الكليم. # لا ولم ولن يفلح المثقف أو الإداري التكنوقراطي أو حتى الإعلامي – ناهيك عن الزعيم الحزبي – في توصيل أشكال وألوان هذه الشكاوي/المظالم بعد أن استطاعت ثورة المعلوميات توفير الهاتف الذكي الذي يمكنه تحرير وإنجاز وتوضيب وتصحيح ونشر صحيفة رقمية يومية شاملة تراهن على مخاطبة الأنا/ الآخر البعض أو ربما حتى الملايين عبر اللايفات واللايكات وغيرها من التعبيرات الداخلة من باب البلاغة التقنية لثورة الحوسبة والمعلوماتية. فتشرح وتحكي وتفسر تنقل العحيب والغريب من الأنباء…بما فيها شكاوي الفلاح الفصيح!!!

# نسطر المقدمات أعلاه حتى نلفت نظر الشركاء المتشاكسين بصفة عامة والأحزاب السياسية بصفة خاصة والنخبةةبثفة خاص إلى ضرورة إعادة قراءة دفاتر التاريخ بعقل نبيه بعدما تيسرت للعامل/الشعب والفلاح الفصيح جميع وسائط التعبير القوي عن شكواه وتظلماته اليومية المعيشية والحياتية العسيرة وعلى جميع الصُعُد…. قبل أن يقرع الجرس إيذانا باقتراب تاريخ الاستحقاقات الانتخابية كمدخل طبيعي لترتيب مسارات الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة في الدولة المركزية السودانية: دولة المؤسسات والقانون وحقوق الإنسان.

# لا ولن يفوتنا أن نسجِّل أن الخلاف السياسوي الذي شَجَرَ بين الشركاء بسبب من التراشق الإعلامي و “طرطشات الكلام” قد ذهب ضحيته في بلادنا قسط من الحريات ومكاييل من العدالة وكثير من نقص في الأموال والأنفس و… الثمرات والحقوق ….
# كما لا يفوتنا أن نسجل إطلالة التخيير المشؤوم بين الحريات السياسية والحقوق الاجتماعية(=المعيشية) وخاصة بعدما تعالت الأصوات عن سرقة الثورة من طرف بعض المكونات السياسوية الحزبية المتهافتة….

# يتوسط مشروع إعداد وتنظيم وإحكام العقد الإجتماعي المسار الراهن للعبور من الفترة الانتقالية المنوط رسم خارطة طريق تأسيس وتقعيد الدولة المدنية؛ إلى التأكيد على تحقيق و حقيقة صياغة العقد الإجتماعي الفريد والمتفرِّد لجوهر العلاقة الهيكلية/ البنيوية بين المواطن والمجتمع المدني والدولة. نقول الفريد والمتفرد استنادا على اكتناه غوريٍّ عميق لمركزية الثقافة السودانية المطبوعة بالتعدد الغني … سبق أن نشرتها تحليلا في كتابنا ( تخصيب المثاقفة – الخرطوم – الطبعة الثالثة2015م).

# نتطلع بعشم جميل إلى ضرورة التفات الأحزاب السياسية وجمعيات ومنظمات المجتمع المدني الى مشروع تشكيل وعي شعبي بمنظومة حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية التي تؤسِّس وتؤثِّث فضاء و واقع الحريات الخاصة العامة الواجب إدماجها في مناهج التدريب والتربية والتعليم العام والعالي كما حدث في دول المغرب العربي (تونس – الجزائر- المغرب)؛ بعدما قدمت مكوناتها المجتمعية تضحيات في نضالات فردية وجمعوية أسطورية… حتى عبرت … ثم خرجت بمواثيق وطنية شاهدة بوقوفها على أعتاب النهضة واستشراف المستقبل ؛ باستثمار مناهج وتوظيف ديناميات محلية/وطنية وعولمية لمواكبة الحداثة.
# أسطِّر هذا المقال حتى لا تباغتنا الأطراف المتشاكسة بقرار مطبوخ جاهز بتأسيس او قيام المؤتمر الدستوري المنصوص عليه في الوثيقة الدستورية و المنوط به الإجابة على سؤال المستقبل/ سؤال الأسئلة : كيف نحكم السودان؟

# كما أخشى أن تباغتنا السلطات الحاكمة/المتشاكسة بالإعلان عن إقامة استحقاق الإنتخابات قبل إنجاز الجداول المؤسسية ل: العدالة الانتقالية الضرورية لتقعيد السلام الشامل والتنمية المستدامة؛ وتسكين النازحين، وعودة اللاجئين، وإنجاز وضبط الإحصاء السكاني، وإعداد وتنظيم اجراءات ومعايير ومواعين هذه الإنتخابات …
# لنرجع إلى السطر:
كانت شكاوي الفلاح الفصيح بواقع وثيقة في خطاب تاريخي تأكد منه وفيه أن للكلمة قوة خارقة كأقوى سلاح فعال : ضد الظلم والفساد والاستبداد الطافح في بلادنا حتى اليوم؛ ما دامت حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية متدهورة بشهادة لسان الحال الأبلغ من كل مقال …

# لنخلص إلى أن الجوهري/الإستراتيجي في هذا المقال/المقام هو : لفت نظر المفكرين والباحثين الى ضرورة إعادة قراءة تكييف العلاقة بين الحاكم والمحكوم؛ إلى تصور وجود عقد بين الطرفين … في هذه الفترة الانتقالية. في العقد الإجتماعي: ميزان حساس من وفي وحول العلاقة بين العدل والحريات/ الحقوق والواجبات المتقابلة… بين ولاة الأمور والمواطنين…وفي اعتقادي – كباحث لا كفقيه دستوري – أن لهذه الأفكار أثرها بل موقعها البنيوي/الهيكلي في القواعد الدستورية التي تعارف عليها الناس والدول.

# … لنتقدم معا في خطوة ماهدة نحو كتاب التاريخ لابتدار حوارات/كتابات/بحوث ودراسات … لتسطير مشروع تأسيس وتأثيث عقد اجتماعي سوداني جديد ينظم العلاقة بين الخبز والحريات؛ ويموسق العلاقات الهيكلية التقدمية بين الإنسان المواطن والإعلام المستنير والمجتمع المدني والدولة : دولة القانون والمؤسسات وحقوق الإنسان …

د.عبدالله صالح سفيان
باحث

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية




اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى