تحقيقات وتقارير

انزعاج مصري مكتوم من توترات شرق السودان

مصر تكتفي بمراقبة الأوضاع في الشرق السوداني وتوجيه نصائح أمنية للسلطة الانتقالية لقطع الطريق على الأصوات التي تتهمها بأن لها أطماع تتجاوز مثلث حلايب.
دفعت بعض الحسابات السياسية الدقيقة بين مصر والسودان إلى التزام الأولى الصمت وكتم انزعاجها من التوترات الجارية في الشرق الذي يعد من أكثر المناطق السودانية حيوية وتأثيرا على الأمن القومي المصري بحكم الموقع الجغرافي وتزاحم بعض القوى الخارجية لتكون لها مقاربات سياسية أو عسكرية على الأرض في هذا الإقليم.

وتخشى القاهرة التدخل بصورة مباشرة في أزمة الشرق لاعتبارات تاريخية عديدة، وجاء صمتها لقطع الطريق على بعض الأصوات المحسوبة على نظام الرئيس السابق عمر البشير التي درجت على تكرار اتهامات بأن مصر لها أطماع تتجاوز مثلث حلايب الحدودي المتنازع عليه بين البلدين منع تفجير مشكلة قد تتسبب في حرج الخرطوم بعد تطوير علاقتها بالقاهرة.
وأرسلت السلطة الانتقالية في السودان وفدا رفيع المستوى لاحتواء التوتر في الشرق، وأجرى الوفد الرسمي الأحد والاثنين لقاءات موسعة مع أطراف سياسية وقبلية في الإقليم أملا في التوصل إلى تفاهمات ثابتة تنهي حالة الاحتقان الراهنة.
رخا أحمد حسن: لا بد من تكاتف الجهود لإيقاف تدهور الأوضاع
ويقول متابعون إن عدم السيطرة على التوترات التي بلغت حد قطع الطرق وغلق موانئ ووقف وسائل المواصلات بين شرق البلاد والخرطوم ربما يقود إلى انفجار ضخم تتجاوز تداعياته حدود الإقليم وما ينطوي عليه من أهمية استراتيجية لكل من مصر والسودان.

ويشير المتابعون إلى أن الهدوء السابق في الشرق وإعادة ضبط أوضاعه بما لا يؤدي إلى هيمنة عناصر تابعة لنظام البشير على مفاصله وجدت فيه القاهرة حلا مناسبا لضمان عدم انزلاق الإقليم إلى خيارات تقوده إلى العزف على وتر حق تقرير المصير فيخيم شبح الانفصال عليه.
وبعد تصاعد حدة التوترات التي لم يكن حدوثها مستبعدا، ذهبت مؤشرات متباينة إلى أن الشرق يمكن أن يصبح منغصا في العلاقة بين القاهرة والخرطوم لأن الأولى لن تستطيع التدخل مباشرة لوجود لائحة شكوك جاهزة يمكن ترديدها، والثانية محملة بمشكلات داخلية تحول دون التوصل إلى معالجة شاملة للأزمة.
وتكتفي مصر بمراقبة الأوضاع عن كثب وتوجيه نصائح أمنية للسلطة الانتقالية حاليا من خلال المعلومات التي تتجمع عندها حول تحركات قامت بها قوى سودانية عقائدية تعمل على زيادة تأزيم الموقف وتوسيع الشروخ بين المكونين العسكري والمدني في الخرطوم.
وارتاح النظام المصري لما جرى من تطورات في السودان أدت إلى سقوط نظام البشير، إذ كان يستخدم ورقة المتطرفين والإرهابيين لمضايقته، ويثير من وقت لآخر أزمة حلايب معه، وقبل سقوطه منح البشير كلا من روسيا وتركيا تسهيلات لوجستية ومزايا عسكرية في البحر الأحمر، كادت أن تخل بتوازنات شرق السودان في التقديرات المصرية.

وقال الخبير في الشؤون الأفريقية عطية عيسوي إن التوتر في شرق السودان يتيح لمهربي الأسلحة والمتطرفين التسلل إلى الداخل المصري مرة أخرى، وهو ما تقابله القاهرة بزيادة وتيرة المراقبة على مسارات التهريب وضبط الحدود بين البلدين.
ورجح عيسوي وجود مشاورات بين القاهرة والخرطوم حول كيفية إنهاء الاضطرابات وعمليات قطع الطرق وغيرها من الأساليب الاحتجاجية بما يحفظ سلامة الإقليم ولا يسمح بعودة عمليات التهريب التي جرى ضبط الكثير من مساراتها في الآونة الأخيرة.
ولفت إلى أن الخطورة الحقيقية تأتي من تربص قوى خارجية تريد بسط نفوذها على ساحل البحر الأحمر، ومازالت هناك محاولات من تركيا وروسيا لحصد نفوذ عسكري في شرق السودان.
ونجحت مصر من خلال التعاون والتنسيق مع السلطة في السودان في أن تنهي الكثير من مخاطر عمليات التهريب التقليدية عبر الحدود، كما أن استجابة الخرطوم مع الجهود الإقليمية الرامية لمواجهة التنظيمات الإرهابية قللت من تهديدات هذا المحدد للأمن القومي المصري.

وأوضح عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير رخا أحمد حسن أن السودان يتعرض لضغوط ربما تؤدي به إلى التفكك، فلا أحد يمكنه الجزم بإمكانية انتهاء المرحلة الانتقالية بالوصول إلى إجراء الانتخابات أو التحول إلى الحكم العسكري مرة أخرى، ما يضاعف من حالة عدم التركيز على إنهاء التوترات في شرق السودان.
عطية عيسوي: التوتر في الشرق يتيح للمتطرفين التسلل إلى مصر
وأكد في تصريح لـ”العرب” أن أي مساع للمطالبة بحق تقرير مصير إقليم الشرق ستكون من نتيجتها عزل السودان عن البحر الأحمر، الأمر الذي يتطلب تكاتف جهود الدول العربية، وعلى رأسها مصر، مع السلطة الانتقالية لعدم السماح بتدهور أوضاع الإقليم، وتعد سرعة حسم المشكلات العالقة هي المدخل لعودة الهدوء إليه ومنع انفجاره.
ويأتي القلق المصري مما تمثله محافظة البحر الأحمر، وهي إحدى محافظات المنطقة الثلاث وتضم إلى جانبها محافظتي كسلا والقضارف، من أهمية جغرافية من ناحيتي البر والبحر، فقد مثلت دروب ومياه هذه المحافظة ممرا لتهريب أسلحة إيرانية لمصر سابقا لتوصيلها إلى حركة حماس الفلسطينية من خلال صحراء سيناء ومنها عبر الأنفاق إلى قطاع غزة.

ولا يزال حادث استهداف إسرائيل قافلة كبيرة محملة بالأسلحة في شرق السودان ومصرع العشرات في مايو 2009 شاهدا على الأهمية التي يمثلها الإقليم لمصر، والخطورة التي يمكن أن يتسبب فيها إذا خرج عن سياق السيطرة الأمنية.
وقال الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في الرابع من مارس 2014 إنهم أوقفوا سفينة محملة بالأسلحة من طراز M302 في البحر الأحمر على بعد حوالي 1500 كيلومتر من سواحل إسرائيل كانت في طريقها إلى غزة، وتحمل صواريخ سورية متطورة نقلت إلى السفينة من إيران.
وسبق أن اعترضت إسرائيل أسلحة في طريقها إلى غزة عبر طريق إيران في مايو 2011، واتهم نظام البشير تل أبيب بشن هجوم صاروخي استهدف سيارة في مدينة بور سودان المطلة على البحر الأحمر، ما تسبب في مصرع شخصين.
ودفعت هذه المعطيات الأجهزة الأمنية المصرية لتسريع وتيرة ضبط الحدود مع السودان، وتم التوصل إلى تفاهمات مبكرة مع القيادة الحالية، لكن كلما زاد التدهور في الشرق شعرت القاهرة بالخطر، فخروجه عن سيطرة الحكومة المركزية في الخرطوم يسمح بعودة سيناريوهات قاتمة خاصة بمستقبله وبعض الجهات التي لها أطماع للتحكم في مفاصله.

 

جريدة العرب اللندنية

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية




اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى