جعفر عباس

جعفر عباس يكتب: ولكم في الضفدع أسوة (2)

عطفا على مقالي هنا يوم الثلاثاء الماضي، أستعيد جانبا من تجربة فشل آلاف الضفادع في تحقيق التحدي الذي تصدوا له بالصعود الى قمة بناية شاهقة وسط ضحكات الاستهجان والاستخفاف من قبل الجمهور الذي احتشد لمشاهدة الحدث العجيب، ولم ينجح في المهمة سوى ضفدع واحد، وكان سر نجاحه انه “أطرش” وبالتالي لم يصبه الإحباط لأنه لم يكن يسمع عبارات وضحكات الاستخفاف الصادرة من جمهور المتفرجين.
فهناك قوم اختصوا بتقليم أظافر الآخرين وإصابتهم بالإحباط، ومنهم كما قال الأديب الكبير الدكتور طه حسين في مقدمة كتابه “مع أبي العلاء في سجنه” لا يعملون ويؤذي نفوسهم ان يعمل الآخرون، وتجارب آلاف المشاهير في مختلف المجالات تؤكد أنه وعلى من يريد النجاح في الحياة أو تحقيق غاية وطموح ما، أن يتجاهل آراء هذه النوعية من البشر وأن يسمو فوق شماتة الشامتين وضحكات المستخفين بمساعيه بل إن الشخص الإيجابي يجعل من كلام من يسعون الى إحباطه حافزا لتحقيق الأمور والغايات التي قيل إنه لا يقدر عليها.
من يدخل منتديات الانترنت العربية او يبحر في عباب المدونات يعجب كيف لم يجد عشرات المبدعين ذوي المواهب الناضجة السبيل الى الصحافة المطبوعة أو الالكترونية واسعة الرواج. ولا شك ان كثيرين منهم حاولوا توصيل إنتاجهم الى مختلف المطبوعات ولكنهم قوبلوا بالتجاهل لأنهم “نكرات”. بينما من يصدرون الحكم على ناشئة الكتاب بأنهم نكرات كانوا يوما ما نكرات.
عندما دخلنا جامعة الخرطوم كان هناك شاب هزيل القوام قال لنا من زاملوه في المرحلة الثانوية أن وجوده في الجامعة أمر مريب: أكيد غش في امتحان الشهادة الثانوية، أو عنده واسطة قوية أو كان هناك خطأ ما في رصد الدرجات لأنه كان طالبا ضعيف التحصيل الأكاديمي. بمعنى أنه لم يكن يشاهد وهو يستذكر الدروس، وكان أول من يلزم السرير ليلا وآخر من يستيقظ فجرا، وعندما تعرفت عليه أحسست بأنه ضعيف القوى العقلية، فقد كان مشتت الذهن: من النوع الذي يشعل السيجارة من ناحية الفلتر، ويبدأ معك الحديث ثم لا يكمل الجملة الأولى، وينتقل الى موضوع آخر، أو يستوقفك في أحد ممرات الجامعة صائحا “دقيقة من فضلك”، وتتوقف.. ولكنه يمر بجوارك حتى دون ان ينظر اليك، وشأن معظم ابناء العالم الثالث كنا نحن زملاءه نعتبر دراسة الفلسفة نوعا من العبث ومضيعة للوقت، لأننا درجنا على اختيار مواد الدراسة الجامعية في ضوء ملاءمتها لمتطلبات سوق العمل: ماذا ستفعل ببكالوريوس الفلسفة؟ تشتغل فيلسوف؟ وحاول الكثيرون إقناعه بدراسة مادة “عليها القيمة” ولكنه طنش كل النصائح وأصرَّ على دراسة الفلسفة، والغريب في الأمر ان طه هذا كان – حتى خلال محاضرات الفلسفة التي اختارها طوعا – يمضي معظم الوقت يرسم.. نعم فقد كان رساما ناضج الموهبة، ومع هذا نال بكالوريوس الفلسفة مع مرتبة الشرف العليا، وقرر التخصص (الدراسات العليا) في علم النفس، ولم يكن ذلك متاحا في جامعتنا، وقلنا شامتين فيه: دي فرصة تدرس علم النفس وتعالج نفسك، ثم حمل ذلك الطالب مشتت الذهن حقائبه وهاجر الى ألمانيا. وبدأ مسيرته بتعلُّم الألمانية (معلومة لوجه الله للشباب الطامح في الدراسة الجامعية في أوروبا: التعليم الجامعي في ألمانيا بالمجان حتى للأجانب شريطة اجتياز امتحان اللغة الألمانية وهناك العديد من الطلاب العرب الذين يجتازون ذلك الامتحان بعد عام واحد يقضونه في ألمانيا).. المهم ان صاحبي طه هذا نال الماجستير والدكتوراه بامتياز من المانيا وهو اليوم استاذ جامعي يشار اليه بالبنان وعضو مرموق في جمعيات علم النفس العالمية وله دراسات مُحَكَّمة منشورة في كبريات المجلات العلمية الرصينة.
طه هذا مثل الضفدع الذي حكيت لكم على مدى الأيام الماضية كيف نجح في تسلق عمارة شاهقة رغم شماتة الشامتين لأنه أطرش وبالتالي لم يسمع الكلام المحبط الذي كان يصدر عمن جاءوا ليروا كيف يفشل ضفدع هزيل في عمل “أكبر من إمكاناته”.

 

 

 

صحيفة الشرق

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية




اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى