تحقيقات وتقارير

ظاهرة متنامية .. انتشار المتشردين بكافة الفئات العمرية.. إنذار مبكر

سيدة في بداية العقد الثالث، حولها مجموعة من الأطفال في أعمار متفاوتة يبدوا أنهم أبناؤها ، اتخذوا كأسرة من صينية بشارع رئيسي ملاذاً تجدهم منذ الصباح الباكر في المكان، حيث ينتشرون للتسول من أصحاب السيارات في (الأستوب) يتناوبون في الجلوس علي كرسي ذوي الاحتياجات الخاصة لاستدرار عطف المارة ومستغلي السيارات ليجودوا عليهم، يقضون سحابة نهارهم متجولين في المكان، وعند حلول الظلام يجلسون في الرصيف لإحصاء ما جمعوه من نقود، ما يثير الفضول حقا أن الأطفال منهم تجدهم لا يكترثون بذلك بل ينطلقون للعب في براءة الطفولة التي سلبت منها، بذات العجلة التي كانت مصدراً للرزق يدفع بعضهم بعضا، وغير بعيد منهم، وقرب معمل إستاك تجد أعداداً أخرى من المتشردين والمتسولين ممن يتخذون من المكان مأوى ومسكناً، فعند حلول الظلام تجدهم يتجمعون لطهي الطعام وتناوله في جماعات، وهكذا تجد حال مجموعات كبيرة من المتشردين في منطقة وسط الخرطوم، قرب الجامع الكبير وكل أزقة السوق العربي، فليس غريبا أن تجد فتاة حبلى، وأخرى أنجبت طفلاً حديثاً، فهم يتناسلون ويتكاثرون فتزداد أعدادهم في الشارع، بعضهم امتهن التسول وآخرون يمارسون السرقة، وتجد أطفالاً دون العاشرة منهم يتعاطون المخدرات والخمور.

 

تقول”نون” إنها لا تعرف أهلها وأسرتها فمنذ أن تفتحت عينيها وجدت نفسها في الشارع، في معية سيدة كانت تستغلها للتسول، ولا تطعمها فتضطر للبحث في قمامة المطاعم والكافتريات بأم درمان، حتى تعرفت على شاب متشرد مثلها ولكنه أفضل حالا منها وكان يحميها من بطش من هم في الشارع ونشأت بينهما علاقة وتزوجها، تقول لم نذهب لمأذون بل تزوجها بالفاتحة بشهود أشخاص كانوا يعطفون عليهم، وفي جمع من إخوتهم المشردين والمتشردات، وبعدها انتقلنا للعيش في الخرطوم في منزل مهجور وأنجبنا أطفالاً، ولكن بعد سنوات ظهر أصحاب المنزل وتم طردنا، وتشييد المنزل عمارة رجعنا وأطفالنا للشارع، تقول كنا نسعى للخروج من حياة التشرد ولكن قتل زوجي في عراك، ولم أجد وأطفالي مأوى غير الشارع فابنتي الكبرى اختفت، وأبنائي يتعاطون (السلسيون) وتفرقوا بالأسواق.

 

 

لاشك أن تنامي ظاهرة التشرد وانتشار المتشردين بكافة الفئات العمرية يعد إنذاراً مبكراً لدق ناقوس الخطر، فالظروف الاقتصادية والفقر، والنزوح للعاصمة والحروب والصراعات، والظروف الاجتماعية من خلافات أسرية طلاق وعنف أسري، وضعف الرقابة على الأبناء جميعها تعد من أسباب التشرد بحسب الباحثة في علم النفس الاجتماعي نورا الحمادي، وأشارت إلى أن هناك تشرداً كاملاً أي البقاء في الشارع بصفة دائمة، وآخر جزئي وتكمن أسبابه في ضعف الرقابة الأسرية ما يؤدي لتسريب الأطفال من المدارس واللجؤ إلى الأسواق للعمل الهامشي ومرافقة الأقران، ولفتت إلى أن بعض المشكلات النفسية مع ضعف الرقابة الأسرية قد يقود بعض الأطفال للتشرد والهروب من المنازل لتجربة أشياء جديدة وهو ما يقود الصغار لتعاطي المخدرات. إلى هذا أقرت دراسة ميدانية نشرت حديثاً زيادة عدد الأطفال المشرّدين في الخرطوم بحوالى”10.000″ مشرّد ومشرّدة، وذكرت مجموعة الدراسة أن تقديراتها مبنية على الملاحظة فقط حتى يونيو 2021.

 

 

وذهبت الدراسة إلى أن المشرّدين يعانون جميعًا من أوضاع هشّة وظروف قاسية، وأبانت أنّ تعاطي المخدّرات قد انتشر في أوساطهم، وبدأت الأعمار الأكثر تعاطيًا وسط الأطفال المشرّدين من(8 ـ 10) أعوام .

 

وأرجع أستاذ علم الاجتماع، محمد جابر، ازدياد ظاهرة التشرد إلى الظروف الاقتصادية التي تعاني منها البلاد خاصة ما بعد التغيير السياسي الذي حدث في البلاد وما أفرزه من مشكلات، بجانب ازدياد هروب الآباء وترك مسؤولية التربية لأم تقضي يومها في الكد والتعب لتوفير مستلزمات العيش ما يضعف رغبتها لتربية الأبناء فيحدث التسرب من المدارس للأسواق، وقد تساءل البعض منهم عن حياة التشرد والكسب السهل النقود، فشهد المجتمع ظاهرة الأطفال جامعي (الخردة) الذين قد تمتد أيديهم للسرقة، مدللاً على قبض السلطات لعصابة من الصبية جامعي (الخرد) تخصصوا في سرقة مرايات العربات وكل ما يجدونه أمامهم وهم يجوبون الأحياء.

 

ونادى بضرورة اهتمام الدولة في أعلى مستوياتها بشريحة المتشردين، وأن تجد معالجة لأوضاعهم عبر وزارة الرعاية الاجتماع وكل الجهات المختصة بإيجاد المأوى وتأهيلهم في حرف ومهن حتى يعودوا بالنفع لأنفسهم وللمجتمع.

 

وقال جلال الدين آدم المحامي بأن أكثر جرائم المتشردين تتسم بالعنف تجاه بعضهم البعض وتجاه الآخرين ما يؤكد سلوكهم العدواني، لانحدارهم من مناطق نزاعات وحروب، داعياً كل الجهات المختصة بحماية الطفولة ومنظمات المجتمع المدني بالمشاركة في محاربة الظاهرة والمساعدة في توفير الرعاية الكاملة للأطفال، بإنشاء بيئة صالحة لانتشالهم من بؤر الضياع وحماية المجتمع من شرور ومشكلات التشرد والمتشردين.

       بخيتة زايد

صحيفة اليوم التالي

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



زر الذهاب إلى الأعلى