اتصال وزير الخارجية الأمريكي بحمدوك.. إعادة التوازن للمدنية

بالرغم من أن مسؤولين بارزين من الإدارة الأمريكية سبق أن اتصلوا برئيس الوزراء عبد الله حمدوك هاتفياً، بيد أنه بدا أكثر ارتياحاً وربما سعادة عندما اتصل به أول أمس وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن مؤكداً دعمه للحكومة المدنية والاصلاحات الاقتصادية التي تقوم بها والعلاقات بين البلدين وأهمية تطويرها كما استمع لشرح للمبادرة التي طرحها رئيس الوزراء مؤخراً، ذلك لأن الحدث جاء متزامناً مع صدى أحداث ملتهبة وأخرى معقدة مرت بها الساحة السودانية وتضع الحكومة المدنية في مواجهة سنانها واخدودها الساخن، كما إن الساحة شهدت كما اشار رئيس الوزراء تقاطعات في السياسة الخارجية مما يعكس ثمة تنافساً في النفوذ السياسي وحدة في الاستقطاب الخارجي لأطراف مهمة ونافذة داخل الحكومة، فقد قام عدد من المسؤولين بزيارات خارجية تقول المصادر إنها لم تكن بتنسيق مع رئيس الوزراء، كما التقى في الأيام القليلة الماضية وفداً إسرائيلياً مع قائد الدعم السريع ونائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو الشهير بحميدتي لم يتم إعلان مخرجاتها حتى الآن أو الإشارة إليها ، وهي زيارة حتى وإن كانت بعلم رئيس مجلس السيادة لكنه وفق تحليل المراقبين ربما لم يكن مرتاحاً لها باعتبار انه الذي يمسك بملف العلاقة مع إسرائيل بل هو مبتدرها الأول عندما فاجأ الجميع بمقابلة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتياهو في دولة يوغندا فضلاً عن قوات الدعم السريع لا تزال قوات موازية للقوات المسلحة رغم تبعيتها وفق قانون صادر ابان عهد البشير الداعم الأساس لها .
كما أن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك لعله الأكثر قلقاً من تلك الزيارة لأن الحكومة المدنية هي المسؤولة عن السياسة الخارجية وفق الوثيقة الدستورية الحاكمة ، كما إن حمدوك بذل جهوداً كبيرة في إحداث اختراق كبير وغير مسبوق مع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي والغرب عموماً سيما فهو يعلم تأثير إسرائيل الكبير على السياسة الأمريكية فعندما يتم فتح كوة أخرى تتجاوز حكومته المدنية قد يشير ذلك بأن هناك ثمة تقاطعات في جعبة الحكومة الإسرائيلية قد تؤثر على تلك المجهودات وذلك السند الذي تلقته حكومته من تلك الجهات الدولية المؤثرة سيما في ظل وضع اقتصادي ضاغط أثر سلباً على شعبية الحكومة وتشظ سياسي في الحرية والتغيير وحملات محمومة تقودها تيارات سياسية وخلافات داخل التحالف الحكومي نفسه كما أشار في خطابه الأخير علاوة على تردي الأوضاع الأمنية في عدد من الولايات وجيوش من الحركات المسلحة ما زالت تقبض على الزناد في انتظار الترتيبات الأمنية التي تواجهها عقبات كؤود يصعب تجاوزها .
ورغم ان المصادر أشارت ان الولايات المتحدة نصحت إسرائيل بعدم تجاوز الحكومة المدنية غير أن إسرائيل لديها القدرة على تجاوز النصائح الأمريكية مثل بناء مزيد من المستوطنات في الأراضي الفلسطينية .
من هذا المنطلق يأتي القلق من حكومة حمدوك تجاه أي اتصالات إسرائيلية في تلك الظروف الحرجة التي تمر بها البلاد مع أي من أطراف الحكومة دون علمه بها مسبقاً .
لكن فيما يبدو أن الولايات المتحدة أدركت مدى التأثير السلبي لزيارة الوفد الأسرائيلي مؤخراً للخرطوم على أجواء الوفاق داخل منظومة الحكم وما تثيره من هواجس حول نية الصديق الأمريكي تجاه حلفائه المدنيين بالخرطوم فسارعت بتطمين الحكومة ممثلة في رئيس وزرائها عبد الله حمدوك بحرص الولايات المتحدة على تلك العلاقات وتطويرها للأفضل.
كما أن تأكيد الولايات المتحدة على علاقاتها الحسنة مع السودان يشير ضمنياً بأنها تقف مع الحكومة المدنية ازاء كافة التحديات التي تواجهها سيما في ظل التظاهرات الاحتجاجية التي كان الحزب الشيوعي وروافده أكثر المتحمسين والداعين لها بغرض إسقاط الحكومة علاوة على كيان النظام السابق بقيادة الرئيس المعزول عمر البشير ، فالولايات المتحدة لا تؤيد قيام حكومة شيوعية او ذات طابع يساري رايدكالي ، لذلك تخشى من تنامي هذه التيارات التي ترى انها ستقوض المشروع الديمقراطي الليبرالي في السودان وتهدد مصالحها في المنطقة ، كما لا تؤيد التيار الاسلام السياسي الذي كانت تمثله حكومة البشير المعزولة باعتبار انه يفتح نوافذ للمتطرفين الاسلاميين مما يهدد استقرار المنطقة فضلاً على إنه يمثل نظاماً استبدادياً قابضاً يصعب التعامل معه حتى على الصعيد البراغماتي الأمر الذي يسبب لها حرجاً ويشكك في مصداقية تمسكها بمبادئ دعم الديمقراطية وحقوق الانسان أمام شعبها ومنافسيها من الحزب الجمهوري والمنظمات الحقوقية ذات الصوت العالي في حال أن تعاملت معه.
بالاضافة إلى ذلك فالحكومة المدنية الحالية تتبنى المنهج الليبرالي الداعم للتحول الديمقراطي السلمي واكثر تحمساً لمد جسور التعاون مع الغرب مما يعني بانه في حال نجاح التجربة ستكون بمثابة انموذج جاذب للدول الأخرى في المنطقة العربية .
غير أن اسرائيل رغم قدرتها على تجاوز تعليمات أو النصائح الأمريكية لكنها لا تستطيع أن تتخذ مواقف شاذة تضر بالمصالح الأمريكية في المنطقة مما يعني بان أي تقارب إسرائيلي مع أي من الفصائل السودانية في منظومة الحكم قد لا يكون له تأثير كبير على مستقبل الحكم المدني الديقراطي في السودان رغم تأثيره النفسي السالب .
قراءة: أحمد طه صديق
صحيفة الجريدة