Site icon كوش نيوز

من الحدود السودانية الأريترية: قصة تهريب (معلن)!!

 

أكثر من (200) مليون (مليار بالقديم) هي فاقد خزينة الدولة يومياً بسبب السلع والبضائع التي يتم تهريبها من كسلا إلى أريتريا بصورة يومية دون أن يتم تحصيل جماركها أو أن تحجز وتعاد إلى السوق علماً بأن تلك البضائع تهرب بصورة شبه رسمية إذ لا توجد أية حملات لمكافحة التهريب، (الإنتباهة) وقفت على تهريب السلع والبضائع ودخلت حتى الأراضي الأريترية لتخرج بهذه المعلومات.

الطريق إلى (قرمايكا)
لم يكن من السهل أن تسلك طرق التهريب الوعرة إلى قرب الحدود الأريترية دون أن يكون معك مرشد ودليل وشخص ذو صلة بالتهريب فاستعنا بصديقنا (تسفاي) كما يحلو له أن يطلق عليه، وتسفاي هذا اسم جده فالرجل من أم أريترية وأب سوداني من إحدى قبائل شرق السودان وكان صديقنا هو مرشدنا ودليلنا.

ألغام الطريق
حملنا معنا مايكفي من الماء وكان هو ينظر باستغراب بينما أنا منهمكة في شراء قوارير المياه وأبدى ابتسامة قائلاً: تمهلي فلسنا بحاجة لكل تلك القوارير من المياه فالمسافة ليست ببعيدة، وتحركنا من داخل كسلا وانطلقت سيارتنا من سوق كسلا مروراً بحي الشعبية ثم حي مكرام وبعدها سرنا بمحاذاة جبل مكرام إلى أن تجاوزناه وكانت المنطقة خلوية وعرة تنتشر فيها أشجار المسكيت، وكان صديقنا يلتزم بطريق رسمته لواري التهريب على الأرض حتى أنه كثيراً ما كان يتعذر على سيارتنا البوكس السير فيه فقد كان يمر الطريق بخيران ووديان وكلما كنت أقول لـ(تسفاي) أن يسير بطريق آخر كان يرفض وظل يلتزم بالسير في دروب اللواري إلى أن وصلنا إلى منطقة (دبت) وواصلنا السير بمحازاة جبال شللوب إلى أن انقطعت سلسلة الجبال ولاح الفضاء الصحراوي، سرنا إلى أن وصلنا قرية شللوب التي تنتشر فيها الأبقار والخراف وكان صديقنا لايزال يتمسك بالسير في طريق اللواري الوعر وحينما وجدنا متمسكين بتغيير الطريق فاجأنا بأنه لايمكن الخروج من طريق السيارات وأخبرنا بأن المنطقة في السابق كانت عبارة عن حقول ألغام ولكنها أزيلت ولكن مازال بعضها منتشراً بالمنطقة لذلك الحذر واجب.

حمير (التهريب)
وواصلنا السير إلى أن وصلنا إلى كراييت وهذه القرية تنتشر فيها بعض البيوتات المشيدة من المواد المحلية وبها مدرسة عبارة عن فصلين أو ثلاثة فصول تسكنها الأغنام والحمير وتنعدم فيها معالم الحياة فالمنطقة ذات طبيعة قاسية وسكانها يعانون في الحصول على ماء الشرب ورغم ذلك يتمسكون بالحياة في منطقتهم ولاتهتم الحكومة لأجل تنميتهم أو حتى لأجل توفير ماء شرب لهم، سرنا إلى أن كادت القرية تصل إلى نهايتها حيث توجد نقطة تفتيش مكافحة التهريب، عبرنا نقطة التفتيش التي يبدو أن لا أحد بها وبعد مسيرة نحو كيلومتر واحد فقط من نقطة تفتيش كراييت كانت تنتشر مخازن بعضها مبني بالطوب أو الطين حيث تغطيه طبقة أسمنتية وبعضها مشيد بالمواد المحلية وحولها بعض حظائر الماشية ولكن الملفت للأنظار هو انتشار أعداد كبيرة من الحمير وبعض الجمال تنتشر أسفل الأشجار قيل إنها تستغل في الفترات المسائية لنقل السلع والبضائع المهربة وحينما سألنا عن المباني الأسمنتية والمخازن المشيدة بالمواد المحلية تفاجأنا أنها عبارة عن مخازن للسلع والبضائع المهربة تستغل في تخزين السلع التي تحضرها اللواري وفي منتصف الليل تهرب إلى أريتريا التي تبعد نحو نصف كيلو حيث تحمل بالدواب وتستغل الحمير تحديداً وكذلك الجمال في تهريبها إلى داخل الحدود الأريترية التي تفتح أبوابها للبضائع القادمة وتسد أبوابها في وجه البضائع الخارجة.

من مخازن التهريب بكراييت تحركت عربتنا وسارت مسافة نصف كيلو متر ووقف تسفاي ليشير بيديه إلى أنه هنا تنتهي حدود السودان وتبدأ حدود دولة أريتريا ولكنه واصل بعد أن تحسس بطاقته الشخصية التي يحمل فيها الجنسية الأريترية وسار بالعربة إلى أن توغل داخل الأراضي الأريترية في غابة تنتشر فيها الأشجار وسارت العربة بمحازاة جبل تنتشر فيه قوات حرس الحدود الأريترية وسرنا إلى أن وصلنا قرب معسكر للقوات الأريترية حيث توجد بها نقطة تفتيش ومعابر ونقطة مرور وبوابة لدخول أريتريا يحرسها الجيش الأريتري وكنت قابعة داخل السيارة أقوم بالتصوير وظللنا داخل السيارة وتحركت صوبنا القوات الأريترية المدججة بالسلاح وهبط هو من السيارة وتوجه صوبهم فخاطبوه وأمروه بالجلوس على الأرض ووضع يديه خلف رأسه وبالفعل فعل كما أمروه وحينما اقترب منه العسكر قام بإبراز بطاقته وبعدها خفضوا أسلحتهم أرضاً وتحدث معه أحد عناصر الجيش الأريتري بلغتهم الأريترية ودار بينهم حديث تخللته بعض القفشات وبعدها ودعهم وعاد ليمتطي السيارة ويقودها صوب الحدود السودانية لتكتمل بذلك رحلتنا إلى داخل الأراضي الأريترية.
بمحاذاة المعسكر كانت تنتشر منازل قرية قرمايكا التي تغطيها الأشجار ويذهب بعض الجنود الأريتريين لقضاء أوقاتهم في بارات منتشرة بالمنطقة التي يبدو أن سكانها يعيشون في انتعاش اقتصادي كبير بسبب السلع والبضائع التي ترد إليهم من السودان بأبخس الأثمان علماً أن العملة الأريترية (النكفة) التي كان الجنيه السوداني يتفوق عليها الآن فاقت الجنيه السوداني وباتت الوحدة الواحدة منها تساوي أكثر من (28) جنيهاً.

هنالك أكثر من (150 – 170) شاحنة محملة بالسلع والبضائع تخرج يومياً من كسلا إلى أريتريا، حسب المعلومات التي تتبعناها فان سائقي وأصحاب تلك اللواري معظمهم من سكان القرى الحدودية الواقعة على الحدود الأريترية، وتستغل تلك اللواري في عمليات التهريب حتى البصات باتت تستغل في التهريب بدلاً من نقل ركاب تلك القرى وتتحرك تلك اللواري يومياً ما بين الثالثة والخامسة عصراً وتعود في الصباح عند السادسة صباحاً يومياً وحسب المعلومات فأن توقيت خروج تلك البصات مخصص بغرض تزامن الوصول مع ساعات الليل وتجنباً لانتظار البضائع يتم نقلها بالدواب إلى داخل الحدود الأريترية، وهنالك يقوم العسكر الأريتري بفتح المنافذ لدخول البضائع السودانية.
تلك الشاحنات تكون يومياً محملة بالذرة والقمح المطحون الجاهز والردة وهنالك شاحنات تكون محملة حتى بالأعلاف وشاحنات ممتلئة بالزيوت التي يتم إنتاجها بمصانع الزيوت بسوبا صافولا ويتم تهريب المياه الغذائية وحتى ماء الشرب والمحاصيل والحبوب الزيتية والفول السوداني والسمسم بجانب تهريب الرغيف المصنع الجاهز والطعمية وكل السلع والبضائع تهرب إلى أريتريا بصورة يومية، وتبدأ رحلة تلك اللواري إلى منطقة كراييت وهنالك تخزن البضائع بالمخازن الحدودية التي ذكرناها ومنها تستغل الحمير والكاروهات والجمال فى حمل البضائع إلى داخل الأراضى الأريترية، علماً أن تلك البضائع حتى التي تمر بنقاط التفتيش الرئيسية لا يتم منعها.

طرق التهريب
هنالك عدة طرق تستغل في عمليات التهريب بالإضافة إلى المعابر الرئيسية مثل معبر (اللفة) ومعبر (عواض) ومعبر (كراييت) بجانب معبر(اديبرا) علماً أن كراييت واديبرا معبران رئيسيان، هنالك أيضاً طرق تستغل في التهريب وهي طرق وعرة تقع بمنتصف المسافة بين المعابر الرئيسية وتستغل بصورة نشطة وهي طريق (شللوب) وطريق (عواض) وطريق (قلسا) و(كركون) وطريق (السواقي الجنوبية) وتجدر الإشارة إلى أن تلك الطرق لا أحد يسلكها سوى عصابات التهريب وبعض عناصر جهاز الأمن الذين عملوا في مكافحة التهريب وقطع الطرق أمام المهربين بتلك المناطق.
أبرز طرق التهريب تبدأ من حي (غصب) مروراً بأم سفري ومنها إلى عواض ثم (اديبرا) كما أن هنالك طرقاً وعرة تمر بين جبال مثل جبل (طيارة) وجبل شللوب يسلكها المهربون للابتعاد عن نقطة تفتيش معبر كراييت.
(الإنتباهة) سلكت طريقاً يبدأ من حي الشعبية إلى مكرام ثم إلى منطقة (دبت) ثم شللوب ومنها إلى كراييت ثم قرمايكا وهي منطقة داخل أراضي أريتريا تستقبل البضائع المهربة من السودان.

هنالك طريق آخر للمهربين يبدأ من شمال الحلنقة مروراً بمنطقة الخلاوي ثم قرية دبلاويت وحتى قرية كركون ثم ينفصل الطريق ويتفرع إلى مفترق طرق أحدهما يقود المهربين إلى جبل حبوبة ومنه إلى قرية كاشدار ثم إلى قرية (تهداي) ومنها إلى قرية (تميكيت) ومنها إلى داخل الأراضي الأريترية حيث مدينة (قرمايكا) الحدودية والتي تنتهي إليها معظم طرق التهريب وتعتبر أضخم وعاء لتلقي البضائع المهربة من السودان.

هنالك طريق آخر يتفرع من مفترق الطرق من قرية (كركون) حيث ينفصل الشارع ويتوجه صوب مناطق التعدين الأهلي حيث طواحين الذهب وهذا أيضاً طريق يسلكه المهربون وينتهي هذا الطريق إلى داخل الأراضي الأريترية ويستغل فى تهريب الذهب المنتج في مناطق التعدين الأهلي حيث تهرب كميات إلى داخل أريتريا.
في طريقنا إلى قرمايكا لاحظنا وجود أعداد كبيرة من الجمال في الصحراء وعلمنا أنها في طريقها للتهريب إلى مصر بواسطة مهربين يسلكون طرقاً محددة إلى داخل الأراضي المصرية.

حسب المعلومات الواردة فأن عمليات التهريب تتم بصورة ممنهجة وتذهب أطنان من السلع والمواد الغذائية والبضائع والوقود والحبوب الزيتية إلى أريتريا ويذكر أنها لا تستهلك بصورة كاملة في أريتريا بل تقوم أريتريا بتصدير أجزاء كبيرة من تلك البضائع أو تهرب عن طريق عصابات أريترية إلى دولتي (الصومال) حيث أكدت مصادر انتشار السلع السودانية والبضائع بأسواق تلك الدول، دون عوائد علماً أن هذه البضائع تهرب على عين حكومة كسلا ودون مساءلات مما يسبب فاقد خزينة يومي يتجاوز (200) مليون جنيه-وفقاً لإحصاءات وتقارير غير رسمية- وبالإمكان تقنين عمليات التهريب بفرض جمارك تعود لخزينة الدولة تمثل ربع المبلغ المذكور علماً أن عوائد عمليات التهريب تلك تذهب لصالح أفراد محددين يمارسون عمليات غسيل الأموال واستغلال أموال التهريب في شراء العقارات والأراضي بكسلا والخرطوم.
منذ أن تم تحجيم دور جهاز المخابرات وأصبحت عمليات التهريب في تزايد حيث كانت تقوم قوات جهاز الأمن بعمليات يومية تتمكن خلالها من استعادة ما لايقل عن (15-20) شحنة تهريب يومياً ويتم اتخاذ الإجراءات في مواجهة أصحاب تلك اللواري ولكن عقب سحب الصلاحيات عن جهاز الأمن تنامت ونشطت عمليات التهريب، ويذكر أن قوات شرطة مكافحة التهريب باتت لا تستطيع إنفاذ أعمالها بسبب عدم وجود حصانة تمكن الشرطي من أداء عمله فبات من الصعب عليهم مطاردة المهربين وإطلاق النار عليهم بإعتبار أن الشرطي سيتحمل مسؤوليته وسيقدم للمحاكمة وهذا ما حجم دور الشرطة في عمليات المكافحة.

تهريب من طرف واحد
في السابق كانت تأتي من أريتريا الأجهزة الكهربائية وبعض الأزياء وبعض البضائع غير الضرورية ولكنها كانت تدعم اقتصاد كسلا ولكن في العامين الأخيرين باتت عمليات التهريب تتم من طرف واحد من كسلا إلى أريتريا وتعود الشاحنات فارغة حيث باتت أريتريا تمنع تهريب أي سلعة من سلعها إلى السودان، ومواطنوها ينفذون تعليمات دولتهم ولا يسمحون بخروج أي منتج محلي والتعليمات فقط السماح بدخول السلع المهربة من السودان وهذا ما جعل اقتصاد أريتريا ينتعش مؤخراً وتنتعش عملتهم المحلية وبالمقابل تعاني كسلا من الحصول على حاجتها من البضائع والسلع وتدنت العملة السودانية. وبالمقابل تعاني كسلا من الحصول على حاجتها من البضائع والسلع وتدنت العملة السودانية وترتفع أسعار السلع والمواد الغذائية في كسلا وأصبحت أغلى مدينة من حيث أسعار السلع الاستهلاكية بسبب عمليات التهريب.

شارع التهريب
لاحظنا أن هنالك شارعاً في سوق كسلا يطلق عليه البعض اسم (شارع التهريب) وفيه تقف عشرات اللواري في انتظار ملئها بالسلع والبضائع وتحميلها وفي ساحة السينما الوطنية واستاد كسلا لاحظنا عمليات نقل بضائع من شاحنات قادمة من الخرطوم إلى كسلا وتنقل إلى لواري ومنه إلى الحدود، بالسؤال اكتشفنا ان عددا كبيرا من الشاحنات القادمة من الخرطوم يحمل أصحابها مستندات وتصاديق وهمية تشير إلى أن هذه السلع والبضائع في طريقها إلى كسلا ولكن ما يحدث كما راقبنا يخالف تلك التصاديق حيث تتوقف تلك الشاحنات القادمة من الخرطوم قرب السينما الوطنية ويتم تحميل بضائعها من الجرارات إلى لواري ومنها إلى أريتريا بمعنى أن البضاعة (ترانسيت) تتم عمليات تفريغها في كسلا من الجرارات إلى اللواري علماً أنه يومياً تصل إلى كسلا من الخرطوم نحو (5) شاحنات (جرارات) ببضائع تصل إلى مليارات الجنيهات ولكنها تهرب مباشرةً إلى أريتريا عبر ما لايقل عن مائة وخمسين من اللواري والشاحنات الصغيرة.

تجدر الإشارة إلى أنه في السابق كانت تتم عمليات تبادل تجاري واستخدام للعملة السودانية والأريترية في الحدود ولكن أريتريا أوقفت التعامل مع العملات السودانية بحجة أنه لاتوجد أوجه لصرفها وترى أن العملة السودانية لا قيمة لها خاصة في ظل منع تسرب منتجاتها إلى السودان ومنعت أخيراً التعامل مع العملات السودانية

 

 

تقرير: هاجر سليمان
صحيفة الانتباهة

Exit mobile version