Site icon كوش نيوز

سد جنوب السودان.. أسئلة المكان والتمويل

قبل أن تفيق دولتا مصب نهر النيل مصر والسودان من صدمة سد النهضة الإثيوبي ومفاوضاته الماراثونية التي لم تصل لشيء رغم تعدد منابرها وإذا بدينق داو دينق نائب وزير خارجية “جنوب السودان” يفجر مفاجأة بإعلان أن بلاده تدرس إنشاء سد “كبير” على نهر النيل.

ويفتح الإعلان -الذي لم يكن بالحسبان- بابا لمفاوضات جديدة بين دولتي المصب وجنوب السودان حول ماهية السد وحجمه وكيفية تشغيله، كما طرح تساؤلات عديدة حول طبوغرافية جنوب السودان وملاءمتها لبنائه، وهل لإنشائه علاقة بالمشروع التاريخي “قناة جونقلي”، والذي توقف بسبب الحرب الأهلية في السودان 1983-2005.

ومع إشارة دينق إلى الصين: هل ستعتمد جوبا في تمويل سدها المزمع على بكين في ظل صعوبات اقتصادية تواجهها وتراجع إنتاجها من النفط، المورد الرئيسي لاقتصادها؟
موقع السد

تتسم أراضي جنوب السودان بسهولها المنبسطة المغطاة بغابات استوائية في أقصى الجنوب عند دخول نهر النيل إلى حدودها قرب بلدة نمولي على حدودها مع أوغندا.

ويجري النيل منتظما حتى يتجاوز مدينة جوبا عاصمة البلاد، وفي شمالها يدخل المنطقة المعروفة بالسدود، حيث تعترض المجرى نباتات تتسبب في انتشار مياهه في فضاء شاسع، مما يفقد جنوب السودان 22 مليار متر مكعب سنويا من إيرادات النيل الأبيض الفرع الآخر لنهر النيل.

وجنوب جوبا يُعرف النيل الأبيض ببحر الجبل والذي تتباين حالة جريانه، ويبلغ طول مجراه بين نمولي والرجاف حوالي 156 كيلومترا، ويدخل مجرى النهر في هذا القطاع منطقة الشلالات “فولا” على مسافة حوالي 7 كيلومترات شمال موقع نمولي، وعندها يضيق إلى حوالي 60 مترا، قبل أن ينحدر بشدة حتى يضيق وتصبح جوانبه الصلبة متقاربة ولا يفصل بينها أكثر من 16 مترا.

ويتحول بحر الجبل بعد منطقة منقلا مباشرة إلى صورة جديدة لا علاقة لها بالسابقة، فيتسع المجرى وتختفي الجسور العالية على جوانب النهر من ناحية، ويتدهور الجريان ويتباطأ في اتجاه الشمال من ناحية أخرى.

لذا، تشير الدراسات إلى منطقة نمولي بأقصى جنوب البلاد كمركز للسد اعتمادا على دراسة أجريت عندما كان السودان بلدا واحدا، وعُرضت على الهيئة الفنية لمياه النيل والتي تضم دول الحوض، وبعد أن أصبح جنوب السودان دولة مستقلة عام 2016 أعلنت مصر استعدادها لمساعدة جوبا على بناء هذا السد.

وقال وزير الري المصري حينها حسام المغازي إن مصر وعبر مركزها البحثي الخاص بالمياه تدرس طرق مساعدة جنوب السودان في بناء سد على بحر الجبل، موضحا أن المركز يقدم العديد من الأبحاث المائية في مشروعات التعاون الثنائي مع السودان، والتي تتضمن مشروعات التكامل الزراعي، فضلا عن مساعدة جنوب السودان لإنشاء سد مائي في منطقة بحر الجبل.

وأشار مغازي إلى أن جاهزية بعثة من المركز لعمل الرفع المساحي للمنطقة بناء على طلب حكومة الجنوب، مرجحا عملها خلال شهور، لكن المشروع توقف عند هذا الحد.

غير أنه وفي إطار مجموعة من الاتفاقيات الجديدة مع جنوب السودان لمواجهة الفيضانات وقع وزير الري المصري محمد عبد العاطي في 25 مايو/أيار الماضي اتفاقية مع وزير الموارد المائية الجنوب سوداني مناوا بيتر لتنفيذ مشروع جديد للحد من مخاطر الفيضان بحوض بحر الجبل.

ويهدف المشروع -وفقا لوسائل إعلام مصرية- إلى حماية المدن والقرى الواقعة في حوض بحر الجبل، وتقوية الجسور الضعيفة أمام الفيضانات.

أما المكان الآخر المحتمل لبناء السد فيقع قرب مدينة ملكال عاصمة ولاية أعالي النيل، وهي ثالث أكبر مدن جنوب السودان.

لكن النهر -الذي يتحول اسمه من شمال جوبا إلى النيل الأبيض بدلا عن بحر الجبل جنوبها- يصل إلى هناك فاقدا الكثير من مياهه بعد عبور منطقة السدود والتي تمتد بطول 260 كيلومترا، ورغم ذلك فإن بناء السد قرب ملكال يفتح بابا لمشروع “قناة جونقلي” الذي كان من أسباب اندلاع الحرب الاهلية في السودان عام 1983.
جوبا أصبحت عام 2011 عاصمة لدولة جنوب السودان الوليدة رغم تواضع إمكاناتها على أكثر من مستوى (غيتي إيميجز)
قناة جونقلي

وطرح مشروع قناة جونقلي منذ الاحتلال الإنجليزي للسودان في القرن الـ19 من أجل تغيير مجرى النيل الأبيض ليتجاوز منطقة السدود وحل مشكلة فقدان المياه منه.

لكن المشروع ظل حبيس الورق حتى شرعت حكومتا السودان ومصر في تنفيذه عام 1977 عبر شق قناة بطول 360 كيلومترا من بلدة بور حتى جنوب مدينة ملكال.

وبدأت شركة فرنسية بتنفيذه، وتمكنت حتى 1983 من حفر 260 كيلومترا من القناة، لكن مع اندلاع الحرب الأهلية أصبحت أعمال الشركة هدفا لمتمردي الحركة الشعبية بقيادة زعيمها وقتها جون قرنق دي مبيور.

واستند المتمردون إلى أن المشروع سيخلف آثارا بيئية على سكان المنطقة التي اندلع فيها التمرد، وبعد تدمير الحفار الخاص بالشركة توقف العمل في القناة.

وعقب استقلال جنوب السودان حاولت مصر التفاوض معها حول استئناف العمل في القناة، ولكن الطلب جوبه برفض من حكومة جوبا.
رئيس جنوب السودان (يسار) والسفير الصيني في حفل افتتاح أحد المشاريع الاقتصادية الصينية في جوبا (غيتي إيميجز)
تمويل السد

مع تراجع إنتاج جوبا من النفط من 470 ألف برميل يوميا إلى 133 ألفا في اليوم بسبب الحرب الأهلية التي اندلعت بين فرقاء الحكم منذ عام 2013 وحتى 2019 يعاني اقتصادها من صعوبات حقيقية تجعل قدرتها على تمويل مشروع كبير محل شك.

لكن نائب وزير خارجية جنوب السودان كان قد صرح بأن الصين أكبر مستثمر في صناعة النفط بالدولة الناشئة، إضافة إلى أن لديها عددا من الشركات العاملة في مجالات البنية التحتية، مما يفتح الطريق أمام جوبا للحصول على قروض لتمويل المشروع تحت الشروط الصينية.

الخرطوم : عبد المنعم ابو ادريس

الجزيرة نت

Exit mobile version