حيدر المكاشفي

حيدر المكاشفي يكتب: بعد باريس العودة الى بسطام

لا ينكر الا مكابر الأداء المتميز للحكومة الانتقالية في ملف القضايا المرتبطة بالخارج، فقد حققت نجاحا ملحوظا فى هذا الجانب المهم، اذ توجت جهودها برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب، الأمر الذي عبد الطريق لعودة السودان الى الأسرة الدولية، بعد العزلة المتطاولة التي عاشها بسبب سياسات وحماقات النظام البائد، هذا فضلا عن كسبها لتعاطف الغالبية العظمى من دول العالم كبيرها وصغيرها واعلانها وقوفها الى جانب السودان حتى يعبر الى ديمقراطيته المنشودة بسلام وأمان، ومن ثمرات هذا التعاطف انعقاد مؤتمر باريس الذي انفض بالأمس، ولسنا هنا في وارد تقييم ما خرج به هذا المؤتمر أيا كانت حصيلته كبيرة على مستوى الطموح أو معقولة أو متواضعة ومخيبة للآمال، فهذا المؤتمر بل وكل الجهود الخارجية المبذولة لا تعدو برأينا المتواضع أن تكون سوى جهادا أصغر، ما يعني أننا مهما حققنا من انجازات فى الملف الخارجي فان ذلك لا يغني شيئا ولن يكون بديلا عن الجهاد الأكبر وهو جهاد الداخل، وللأسف ما زال الأداء فيه متباطئا متكاسلا ودون الطموح بل ودون قامة الثورة وأهدافها، ولهذا يبقى الأهم من باريس وكل دول العالم وما يمكن ان تقدمه لنا، أن ننظر فى انفسنا وان نتوجه الى داخلنا، فالحل لا بد أن يبدأ بنا ومن داخلنا ومن واقعنا..
وتحضرني في هذا الخصوص نصيحتان غاليتان ومهمتان، الأولى نصيحة حديثة ومعاصرة محضها لنا كبير الباحثين بالمجلس الأطلنطي كاميرون هدسون، كان هدسون قد نصح الحكومة قبل حوالي العام ونصف قائلا ما معناه على الحكومة أن تبذل جهودا جادة لاستعادة 70٪ من الموارد التي تذهب إلى الأجهزة الأمنية والفساد ودعم السلع بما يقدر بأكثر من 5 مليارات دولار قبل طلب المساعدة الخارجية، وعلى الحكومة ايضا أن توقف التسريب قبل أن تطلب من الآخرين ملء الخزان..ويا لها من نصيحة غالية تؤكد أن من يستحق مساعدة الآخرين، فاذا كان خزانك مهترئا وممتلئا بالثقوب فانه لن يمتلئ أبدا مهما ضخ فيه من يساعدونك بجلب الماء، وداخلنا حقيقة محتشد بالثقوب في مختلف المجالات وملئ بالكثير من الاختلالات والاعوجاجات التي تحتاج لاصلاح واستعدال وبذل جهود كثيفة ومخلصة وشجاعة لرتقها وسدها، والنصيحة الأخرى قديمة وتاريخية كان قد تفضل بها ناصح أمين للعابد الزاهد والصوفي المتبتل أبا يزيد البسطامي ولكل من يغادر بلده ويسعى لحل قضاياه خارجها مع أن الحل بالأساس لابد أن يبدأ من الداخل، لمثل هؤلاء وحكومة الفترة الانتقالية منهم، قيل إن البسطامي لما ساءه ما آل اليه حال بلده بسطام، خرج منها يضرب في الارض بحثاً عن الحق والحل والحقيقة، فصادفه من سأله عما أخرجه من دياره، وعندما أعلمه به نصحه قائلاً عد الى ديارك فما خرجت من أجله تركته خلفك في بسطام، فانتصح أبا يزيد بما قاله الناصح وعاد الى دياره ولزم بيته ففتح له، ومثل أبا يزيد تظل حكومتنا في حاجة ملحة لأن تستجيب لنصح الناصحين لها بأن ما تعانيه البلاد من أزمات حلها يبدأ من الداخل قبل الخارج، كما أن الحل بيد الحكومة قبل الأصدقاء وفي الخرطوم قبل غيرها من المدن..

 

 

صحيفة الجريدة

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية




اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى