عثمان ميرغني

عثمان ميرغني يكتب :الحل: عند طفل المعسكر!

 

قبل بضع أشهر عند بدايات رعب انتشار فيروس “كورونا”، انتشر في وسائط التواصل الاجتماعي مقطع فيديو قصير لرضيع في المهد، قيل أنه في معسكر للنازحين بدارفور.. الرضيع قال للناس أن الوقاية والعلاج من “كورونا” في شرب الشاي “الأحمر” السادة.. بعد ساعات قليلة من بث الفيديو كان الشعب السوداني كله يشرب أكواب الشاي السادة على ذمة نصيحة طفل المعسكر.. لماذا استجاب الشعب السوداني لصرخة الطفل وبهذه السرعة؟

 

أسرع خطاب عام هو الذي يرن في صميم الخاص.. و خلل العلاقة “الثنائية” بين الدولة والمواطن أن أدوات الاستشعار عند الدولة لها قدرة عالية على الاحساس وتحسس المواطن – فردا – عند “الواجبات”.. ولا تستطيع الاحساس به اطلاقا عند “الحقوق”! فهي تخاطبه مفردا وفردا في حالة الخصومة، وتصدر أمر القبض ممهورا باسمه رباعيا، لكن عند “الحقوق” لا تستطيع الحكومة مخاطبة الفرد، أو التعامل مع حقوقه بصور مباشرة، فيضطر المواطن للاستعانة بـ”الكتلة” المجتمعية التي ينتمي اليها ، فيمارس الاعتصامات أو قفل الطرق السريعة أو أي عمل آخر يلفت نظر الحكومة لسماع صوته..

 

لاحظوا جيدا معادلة التواصل بين الحكومة والمواطن عندما تكون الحكومة هي صاحبة الحاجة، تجديد رخصة أو ترخيص، ضرائب، رسوم لكل الخدمات.. إذا لم يدفع المواطن فإن رد فعل الحكومة فوري، تحجز السيارة أو تدفع الغرامة أو حتى الحبس في السجن.. هنا العلاقة الثنائية بين الحكومة والمواطن مباشرة وسافرة وسريعة.

 

إذا تغير الأمر وأصبح المواطن هو صاحب الحاجة، مواطن لديه مظلمة، أو لديه مال عند الحكومة، او مطالبة بخدمات حتمية مثل التعليم والعلاج، أو مجرد قطع التيار الكهربائي عن بيته ليوم أو أكثر فيحتج، هنا لا تستطيع الحكومة الاحساس بالمواطن مجردا من الكتلة الاجتماعية أو السياسية التي تحيط به.. فيضطر المواطن تحقيق النصاب المطلوب لاحساس الحكومة به أن يلجأ إلى استخدام “السماعة” التي تنقل صوته إلى الحكومة.. أعمال العنف السلمية –الاعتصامات واغلاق الطرق- في أحسن الأحوال، أو أحيانا العنف غير السلمي مثل حمل السلاح كما يحدث في الصدامات القبلية الجارية حاليا في عدة مناطق.

 

لحل هذه النزاعات العرقية الملتهبة في الجسد السوداني لابد من تصحيح الخطاب الحكومي العام على مبدأ مخاطبة الخاص في سياق العام، أو استخدام الخطاب العام الذي يرن في الخاص.

مثلا؛

ماذا يستفيد المواطن من ثورة ديسمبر؟

أسوأ اجابة هي (حرية سلام وعدالة)!! فهذه هتافات وشعارات تخاطب “القِيم” التي يجب أن تسود في الدولة، لكن ما هو انعكاس هذه “القِيم” على المواطن الفرد؟ هنا مربط الفرس الذي يجب أن يكون محتوى “الرسالة!” في الخطاب العام.

خطاب الحكومة للمواطن يجب أن يكون مباشر محددا –مثل خطاب طفل المعسكر- في حالتي الحقوق والواجبات معا..

مثلا.. الصدامات القبلية المؤسفة في بورتسودان وقبلها مناطق أخرى، ما الذي يجعل المواطن قادرا وقابلا لسفك دم أخيه المواطن الآخر على ذمة خلافات منبتة تماما عن المصلحة الذاتية للقاتل و المقتول؟

 

ما الذي يجعل المواطن قادرا على تكبد عناء عمل مجاني لا يتلقى أجرا أو عائدا عليه، فيحمل في يده ساطورا أو سكينا ويغبر أقدامه باحثا عن مواطن بريء آخر ليقتله، مجانا دون أن ينتظر عائدا ماديا أو منفعة جراء هذه الجريمة؟ على عكس المجرم القاتل الذي يفعل ذلك وفي ظنه سرقة مال أو الحصول على منفعة، لكن القتل هنا مجانا بلا انتظار لعائد مباشر أو منفعة شخصية!

 

بكل أسف؛ تستخدم الحكومة الخطاب العام، فترسل القوات المدججة بالسلاح لوقف أعمال العنف لكنها لا ترسل الخطاب الخاص الذي ينزع السلاح من (العقول) قبل الأيدي!

سنعود للموضوع ان شاء الله!

 

صحيفة التيار

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية




اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى