أمس الأول كانت تحتشد الشوارع باحتجاجاتها ومطالب أهلها بضرورة إيجاد معالجات حاسمة لمسألة الواقع الاقتصادي. الناس هنا يرهقهم الألم، تبدو عيونهم بصيرة وأياديهم قصيرة. الصفوف الممتدة لا تنتهي دائماً بالحصول على ما يرغب فيه الواقفون فوق نيرانها. (القصة قصة رغيف) على الدوام ظلت صراعات البشر هي من أجل الحصول على الموارد يدفعهم في ذلك البحث عن البقاء يردد بعضهم أنه بالخبز وحده يحيا الإنسان ومن أجله ايضاً يمكن أن يموت.
هنا بإمكانكم متابعة الوجه الآخر للأزمة أو تداعياتها. ثمة جرائم تحدث في الصفوف التي يقول البعض إن وجودها من الأساس جريمة تقيد في دفاتر العجز الحكومي. الجرائم هنا تحدث في أم درمان وفي الخرطوم وفي شرق النيل وكلهم في الآلام شرق. إليكم بعض تفاصيل ما جرى؛ الأسباب والدواعي
ثلاثة في واحد.
قتل ثلاثة مواطنين من أسرة واحدة بضاحية الحلة الجديدة بأم درمان الأيام الماضية؛ وهم يقفون في صف الفرن من أجل الحصول على قطعة خبز. وفي معركة الحصول على الرغيف في ذلك اليوم المشؤوم عندهم؛ قام أحد المواطنين الثلاثة بإخراج طفل صغير كان يقف أمامه في الصف وصفعه صفعة قوية حتى ألقاه أرضا وسالت من جبينه الدماء بغزارة ، فما كان من الطفل إلا ان ذهب مهرولا إلى منزله المجاور للفرن وأخبر والده بالاعتداء الذي وقع عليه من قبل ذلك الرجل، حضر الأب مسرعا إلى المخبز برقفة طفله المصاب وهو في قمة الغضب يتأبط شرا مستطيرا (سكينا كبيرا) وعندما سأل عن الرجل الذي اعتدى على ابنه وضربه وأخرجه من الصف رد عليه أحد أفراد الأسرة الثلاثة بأنه هو الذي فعل ذلك لأن ابنه (قليل أدب وما محترم)، على حد تعبيره فما كان من الأب الغاضب إلا وأن استل سكينه الضخمة وسدد له ثلاث طعنات قاتلة سقط على إثرها مضرجا بدمائه، وعندما أقدم الشابان الآخران على نجدة قريبهما المطعون، كان نصيبهما أيضا طعنات قاتلات اسقطتهما أرضا وحينما تم نقل المصابين الثلاثة إلى المستشفى فارقوا الحياة جميعا بعد ساعات قليلة من وصولهم للمشفى!!
مقتل سيدة خنقاً..!!
وفي معركة الحصول على قطعة خبز لقيت سيدة في العقد الخامس من العمر مصرعها على يد فتاتين أخريين خنقا حتى لفظت أنفاسها؛ وذلك بعد أن اقتحمت الصف عنوة رغم حضورها متأخرة جدا، وعندما أصرت على اخذ نصيبها من الخبز بحجة أنها امرأة كبيرة وطاعنة السن وليس لها أبناء صغار يجلبون لها الخبز من الفرن، ماكان من الشابتين إلا وقامتا بخنقها بعد أن اسقتطاها ارضا وانهالتا عليها ضربا وكتمتا أنفاسها حتى فارقت الحياة. في معركة الخبز و(داحس وغبراء) الجوع في هذا الزمن الأليم!!
قتله ضرباً بالعصا..!!
وفي حي النصر بضاحية مايو جنوب الخرطوم ؛ لقي شاب ثلاثيني مصرعه على يد آخر ضربا بالعصا وذلك بعد أن حاول أن يمنع الشاب من تخطي الصف والوافقين منذ الصباح الباكر والمساهرين والنائمين في الفرن لساعات طوال على حد تعبيره وهو جاء للتو ورغم ذلك يصر على شراء الخبز قبلهم جميعا؛فما كان من الشاب إلا أن أساءه إساءة بالغة وقال له انه سوف يأخذ الخبز رغم أنفه ومن (جوة قلبه ) و(رجالة) حسب تعبيره ، ثم سدد له ضربة ولكمة قوية (بنية) في وجهه؛ فأخ حديدة كبيرة كانت جواره وانهال بها ضربا فوق رأس الشاب الثلاثيني حتى تفجرت الدماء منه بغزارة وسقط مغشا عليه وفارق الحياة قبل أن يصل إلى المستشفى في عربة الشرطة التي حضرت إلى موقع الحادث بعد تلقيها اتصالا هاتفيا من أحد أفراد لجان المقاومة والخدمات بحي النصر بمايو!!
نهب وضرب..!!
وأيضا تعرضت سيدة في العقد الثالث من العمر في منطقة إسكان البشير بمحلية كرري للضرب والنهب؛ بعد ان قام ثلاثة من اللصوص بالاعتداء عليها ونهبوا منها موبايل ومبلغا ماليا وأقراطا ذهبية وهي في طريقها للمخبز عند الساعة الثانية صباحا؛ وتهجم عليها الشبان الثلاثة في جنح الليل والناس نيام وأخذت تصيح وتستنجد طلبا للنجدة فخرج بعض أصحاب المنازل الذين سمعوا صراخها؛ فيما هرب الشباب الثلاثة وتركوا السيدة تصيح وتولول!!
قطع يده بالساطور..!!
وفي منطقة الحاج يوسف بمحلية شرق النيل أقدم طفل في الخامسة عشرة من عمره على قطع يد طفل آخر يبلغ من العمر ثلاثة عشر عاما، بعد أن قام الثاني بسرقة مائة جنيه من جيب الأول هي ثمن شراء الخبز من الفرن، وحينما أحس به أمسك بيده بقوة ثم أخرج ساطورا ضخما من بين طيات ملابسه وقطع به يده السارق الصغير، وانهمرت الدماء منه غزيرة وأصاب الناس الخوف والذعر وهم يشاهدون اليد الصغيرة المقطوعة تسقط في الأرض وتتراقص أمام الصف الطويل!!
اعتداء على صاحب المخبز..!!
وفي منطقة سوبا الأراضي جنوب الخرطوم قام مجموعة من المواطنين بالاعتداء على صاحب مخبز وذلك لأنه رفض فتح مخبزه وبيع الخبز لهم بحجة أن حصة الدقيق التي بطرفه قد نفذت منذ يوم أمس، ولكن أصر المواطنون على أنهم شاهدوا الدفارات الكبيرة تجلب جوالات الدقيق إلى مخبزه ليلا ووصفوه بالكاذب وأنه لص يود بيع الدقيق للتجار في السوق الأسود ويحرم منه المواطنين أصحاب الحق، ومن ثم قاموا باقتحام الفرن عنوة، ووجدوا جوالات الدقيق تملأ باحة المخبز، فانهالوا عليه ضربا ؛حتى كادوا يفتكوا به لولا تدخل بعض الكبار والعقلاء من أهل المنطقة وتم نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج وانقذوه من فتك المواطنين الجوعى الغاضبين، وتم إغلاق الفرن بعد تلك الحادثة من قبل السلطات هناك!!
جرائم الجوع..!!
لكن ما هو راي رجال القانون وأهل الاختصاص في جرائم القتل والاعتداءات بسبب الخبز هذه؟
يقول الأستاذ الفاتح حامد عيد المحامي إن جرائم القتل والاعتداءات بسبب الخبز، تعتبر ظاهرة جديدة في بلادنا؛ ووصفها بأنها مولود شرعي للظروف الاقتصادية القاهرة التي يعانيها الشعب السوداني اليوم,وهي تندرج ضمن جرائم القتل العمد والمادة (130) التي يعاقب عليها القانون الجنائي بالقتل!!
سياسات عرجاء..!!
ومن جانبه قال الناشط السياسي الأستاذ شمس الدين عثمان قمرالدين إن جرائم القتل بسبب الخبز تعكس الوضع المزري الذي وصل إليه الشعب السوداني من بؤس وفقر وجوع ،دفي عهد ثورة ديسمبر الظافرة وعزا ذلك إلى وما صفها بالسياسات الاقتصادية العرجاء والمتخبطة وغياب الرقابة من قبل السلطات المسؤولة في بلادنا وتخليها عن واجباتها ومسؤولياتها تجاه المواطن وجشع أصحاب النفوس المريضة الذين يريدون تحقيق أرباح ومكاسب مادية كبيرة بالمتاجرة بدماء الفقراء والمساكين، وقال إن القاتل والمقتول في تلك الجرائم هم ضحايا المسؤولين وولاة الأمر الذين تخلوا عن واجبهم وأداروا ظهرهم للشعب المفجوع والمكلوم الذي جاء بهم لإنقاذه من الجوع والذل بيد أنهم قتلوه تجويعا وإفقارا على حد تعبيره!!
ضعف الإيمان..!!
ولكن الشيخ التجاني عبدالقادر محمد إمام مسجد الصحوة بالثورة الحارة الرابعة بمحلية كرري، له رأي مخالف تماما للناشط السياسي شمس الدين عثمان؛ فهو يرى أن جرائم القتل والاعتداءات التي تقع في صفوف المخابز ترجع إلى ضعف الإيمان بالله وعدم اليقين والابتعاد عن الشرع والدين؛ويقول إن الله تكفل بالأرزاق للمسلم اذا تمسك بالطريق القويم ؛ بيد أننا ابتعدنا عن الشرع والدين فجعل الله لنا معيشة ضنكا حسب وجهة نظره. ويرى التجاني أن حل الازمة الاقتصادية التي يعاني منها الشعب السوداني يكون بالرجوع الى الشرع والدين حسب وجهة نظره!!
ضغط نفسي..!!
الباحثة النفسية والاختصاصية الاجتماعية مها جار النبي ؛ عزت جرائم القتل والاعتداءات في المخابز إلى الضغط النفسي الكبير الذي يعاني منه الشعب السوداني جراء الظروف الاقتصادية القاهرة في بلادنا. لذلك ضاقت أخلاق الناس وصار كل إنسان قابلا للانفجار والاشتعال لأتفه الأسباب وعلى استعداد للفتك بأخيه حتى من غير أسباب، لذلك تقع مثل هذه الجرائم؛ حسب وجهة نظرها!!
تقرير : بهاء الدين قمر الدين
الخرطوم: (صحيفة اليوم التالي)

