تحقيقات وتقارير

في ختام المؤتمر الاقتصادي.. السودانيون يخرجون الهواء الساخن

 

بكل أشواقهم وآلامهم وأحلامهم ، توجهت أنظار السودانيين نحو حيثيات المؤتمر الاقتصادي القومي ، عسى أن تخرج توصيات هذا المؤتمر بـ(روشتة) علاج لكل هذا الضنك الذي أرهق كاهلهم، فالدولة السودانية ظلت حاضرة في أذهان السودانيين بأنها (كنز الله) في الأرض والذي لم تُحسن كل الحكومات الوطنية استغلاله، ومنذ الاستقلال وحتى سقوط البشير ظلت أحلام السودانيين مُعلقة على حبال الوعود وانتظار الفرج، ويدرك السودانيون بأنه كان بالإمكان أن تكون دولتهم في مصاف الدول الكبرى ذات الاقتصاديات الجبارة، لو لا الصراعات السياسية المُزمنة وتلك التعقيدات التاريخية التي انتجتها خاصية البقاء في الدائرة الجهنمية المُعرفة بـ(ديمقراطيات قصيرة تعقبها انقلابات عسكرية طويلة المدى)، وكانت ثورة ديسمبر التي أسقطت أطول فترات الديكتاتورية الشمولية ذات الصبغة العسكرية الحزبية، قد ساهمت في فتح النوافذ للحلم بعودة الدولة السودانية إلى الطريق الصحيح، وأن يصبح بالإمكان أن يتحرر الاقتصاد السوداني العملاق من أصفاده القدرية ، وأن ينعم المواطن بالعيش الكريم وبناء المستقبل المشرق، دون خوفٍ ولا وجل .

 

برلمان شعبي

منذ انطلاق جلسات المؤتمر الاقتصادي السبت الماضي، ظلت كل المواقع الخبرية ومنصات التواصل الاجتماعي في السودان حبيسة في أضواء وظلال المؤتمر، وشهدت جلسات المؤتمر تداخلات كثيفة من قبل خبراء وممثلين كيانات سياسية ومجتمعة وعدد من المواطنين، وكانت أغلب المداخلات شديدة اللهجة وصوبت انتقادات مباشرة للحكومة التنفيذية بحسبان أن كل القضايا المرتبطة بالاقتصاد باتت هي الهم الذي يؤرق مضاجع المواطنين، وأصبح المواطنون في حالة من السخط والاستياء بسبب الانهيار الكبير الذي باتت تشهده الدولة السودانية فيما يتعلق بمعاش الناس وتوفير الخدمات . بيد أن كثير من المراقبين وصفوا حالة الهياج التي شهدتها قاعة المؤتمر الاقتصادي بأنها تدل على أن الشعب تعافى كثيراً من القيود وظاهرة تكميم الأفواه التي كان يتعرض لها خلال العهد البائد، وأصبح التلاحم مع الحكومة وأجهزتها التنفيذية ، أمراً مألوفاً واعتيادياً ، وهو ذات المنحى الذي أحال المؤتمر الاقتصادي إلى برلمان شعبي مصغر تنهض فيه عزائم الشعب لنبش الجراح بقوة حتى لا تتغافل الحكومات عن تطلعات شعبها وإرادته. وبين الشد والجذب ظلت تحتفي مواقع التواصل الاجتماعي بكثير من المشاهد المصورة التي تؤكد بأن هناك كثير من الأصوات لا يعجبها هذا الانهيار الذي تشهده الدولة السودانية، ولا ترى أية مبررات لوجوده من الأساس، وأن الثورة السودانية التي دفع الشباب ثمناً باهظاً لنجاحها ينبغي أن تنتج واقعاً مُعاشاً أفضل بكثير من الدرجات عن هذا الواقع الراهن.

المؤتمر الاقتصادي

تسلم عبد الله حمدوك رئيس مجلس الوزراء وممثل أسر شهداء ثورة ديسمبر المجيدة المهندس هاشم مطر مساء الأمس بقاعة الصداقة توصيات المؤتمر الإقتصادي القومي الأول المنعقد تحت شعار ” نحو الإصلاح الشامل والتنمية الاقتصادية المستدامة ” والذي اختتم أعماله أمس بقاعة الصداقة وأصدر بيانه الختامي. وكانت الحرية والتغيير- التحالف الحاكم- قدمت ورقة ناقشت تقليص وتمويل الفجوة بين الإيرادات والنفقات العامة وتمويلها من مصادر حقيقية . واستعرض من خلالها ، ممثل قوى الحرية والتغيير ،شوقي عزمي، دواعي الرهان على إستقطاب المنح والإعلانات والقروض من صندوق النقد والبنك (الدوليين) والدول الغربية الدائمة للسودان لتمويل الفجوة في مكون العملات الحرة في الموازنة العامة . موضحاً أن السودان أمام رؤيتين متضادتين بين التمسك بالتفاهم مع صندوق النقد الدولي، وعبره مع الدائنين لسداد القروض والحصول على إعفاءات من السداد، الأمر الذي يتطلب رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، أو الاعتماد على الذات وتعبئة الموارد الوطنية المتاحة لسد فجوة الموازنة . ورقة الحرية والتغيير قدمت بعض الحلول لسد العجز في الموازنة، منها، السيطرة على موارد النقد الأجنبي، بالأخص الذهب الذي يعد ثروة قومية مملوكة للشعب السوداني، ومن المتوقع أن يكون العائد الشهري للذهب حوالي ٤٠٠مليون دولار شهريا لتمويل إحتياجات المجتمع الأساسية وسداد جزء من المديونيات بالاضافة لإنشاء بورصة نظامية للذهب وفقآ للقانون، على أن تتولى وزارة الطاقة والتعدين مهمة التعاقد والرقابة والإشراف الفني على الذهب ، وإدخال كافة الشركات الأجنبية وشركات الامتياز الكبرى العاملة بقطاع التعدين تحت مظلة التعدين القانونية المشروعة والسيطرة على عمليات التصدير، بجانب ضمان الحيازة الكاملة من جانب الحكومة على كل صادرات الذهب، و العمل على إعتماد مصفاة الذهب دوليا، وإعادة تشغيل شركة أرياب. وخرجت الورقة بعدد من التوصيات، تتلخص فى إعتماد الموازنة العامة 2020 في المدة المتبقية من السنة المالية، دخول الدولة عبر بنك السودان بمختلف المصادر المتاحة بما فيها الإصدار النقدي في تجارة وتصدير الذهب واستقطاع إحتياطات منه للتخزين منه في مجال إنتاج الذهب، توفير متطلبات أن تكون الدولة قادرة على إنتاج نسبة 80٪ من الإنتاج الكلي، تقديم حوافز للعاملين في مجال إنتاج الذهب وللولايات المنتجة وحوافز للمغتربين لجذب مدخراتهم وتحويلاتهم عبر القنوات الرسمية، إستخدام عائدات صادر بنك السودان من الذهب في استيراد السلع الأساسية، إعادة تأسيس شركات عامة مساهمة في قطاع الصادر الزراعي والنباتي والحيوان والحبوب الزيتية والقطن والصمغ العربي والماشية واللحوم، إعادة تأسيس البنك القومي للاستيراد والتصدير وبنك التنمية التعاوني، رصد مصادر النقد الأجنبي من الهيئات والمرافق والمنشآت الحكومية . وأكدت الورقة على ضرورة تبديل العملة وإصلاح النظام الضريبي والمصرفي بإعادة هيكلتهما.

هيكلة ديوان الضرائب

لم يكن خبراء الاقتصاد في تحالف الحرية والتغيير وحدهم الذين رفدوا المؤتمر الاقتصادي بكثير من التوصيات والحلول، ولكن كان المؤتمر محفلاً جامعاً انصهرت فيه خلاصة العصف الذهني لأبناء وبنات الشعب السوداني، حيث جاء في خضم التقارير الاقتصادية المبذولة على شبكة الانترنت، ووفقاً لوكالة (سونا) للأنباء، بأن الاكاديمي والخبير المصرفي، لؤي عبد المنعم، أكد على ضرورة تركيزالمؤتمر الاقتصادى القومى على مسألة إعادة هيكلة ديوان الضرائب عبر منح تخفيضات تصل 50% للسداد المبكر لضرائب الأعمال و إشراك النقابات والجمعيات المهنية في تحديد قيمة ضريبية عادلة لكل قطاع أو فئة مع العمل على وقف التدهور في سعر الصرف للجنيه مقابل العملات الأجنبية عبر طرح منتجات مصرفية إستثمارية لتعزيز السيولة والحد من المضاربة على الدولار خارج الحاجة للاستثمار .

 

مضيفاً أن المؤتمرين لابد لهم من البحث فى إمكانية فرض تحويل إجباري للمغتربين إلى السودان بنسبة محددة من الدخل أو مبلغ محدد كما هو معمول به في بعض الدول ومنها مصر مقابل حزمة تسهيلات مصرفية واعفاءات جمركية وتخفيضات ضريبية دون تبني زيادة في أرباح الودائع تنعكس سلبا على تكلفة التمويل كونها فعليا مرتفعة عن معدل الفائدة العالمية، بجانب تجنب أي زيادة جديدة في أسعار الجمارك تنعكس سلبا على تكلفة الإنتاج و زيادة الأسعار في السوق بالاضافة إلى العمل على تخليص الاقتصاد من التشوهات عبر تبني الدفع الإلكتروني وإعادة هيكلة الدعم الحكومي من عيني إلى نقدي إستنادا على الزيادة التي حدثت في المرتبات مؤخرا بحيث يوجه الدعم النقدي لفئة غير الموظفين .

 

بنك السودان المركزي

دفعت ورقة السياسات النقدية والمصرفيه وسياسات القطاع الخارجي التي قدمها نائب محافظ البنك المركزي ، محمد أحمد البشرى، حزمة من الإجراءات المطلوبة لدعم برنامج الإصلاح الاقتصادي منها مايلي بنك السودان ومنها ماهو مطلوب من جهات أخرى ذات صلة. وأوضح أن الاجراءات التى تلى بنك السودان المركزي تتمثل في ضبط مصادرالتوسع النقدي والتحكم في معدلات نموعرض النقود من خلال ضبط تمويل الحكومة عبر الاستدانة المؤقتة من البنك المركزي في حدود المتفق عليه ضمن الاقتصاد الكلي إلى جانب ضرورة التحول من استهداف المجاميع النقدية لاستهداف القاعدة النقدية كهدف وسيط وتشغيلي لادارة السياسية النقدية. وطالب بالتركيز على الأدوات المالية لمعالجة مشكلة محدودية أدوات السياسية النقدية المتاحة لدي البنك المركزي والتفكير في تبني النظام المصرفي المزدوج. ونادى بخروج البنك المركزي من المساهمة في رؤوس أموال المصارف للحفاظ على حياديته في الإشراف والرقابة مع ابتكار وسائل جاذبة لاستخدام أدوات الدفع غير النقدية لضمان سرعة تحول الاقتصاد من إقتصاد يتعامل بالكاش الي اقتصاد يتعامل بوسائل الدفع غير النقدية.

عبدالناصر الحاج

صحيفة الجريدة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى