تحقيقات وتقارير

من هم الأقرب لأذن حمدوك؟

بعد أن كثف الناشطون الكتابة على منصات مواقع التواصل الاجتماعي حول ما عرف اصطلاحاً بـ “شلة المزرعة” التي تتحكم في القرارات الحكومية بعيداً عن أعين مؤسسات الدولة، إضطر رئيس الوزراء عبد الله حمدوك في22 يوليو 2020 إلى نفي سيطرة المستشارين العاملين في مكتبه على الجهاز الحكومي، وقال:” إن عددهم قليل ويعملون بأوامره وتحت اشرافه المباشر”.

نفي حمدوك لم يأت في مناسبة عابرة وإنما اختار لها الوقت المناسب (لكل مقام مقال) ، حيث ورد النفي في المؤتمر الصحافي الذي أعلن فيه رئيس الوزراء تعيين الولاة المدنيين وتعديل الميزانية ومواضيع أخرى أهمها ما يشاع على نطاق واسع حول سيطرة مجموعة من منتسبي الحزب الشيوعي على مقاليد الأمور في مكتبه وتسيير الحكومة والعمل على فرض أجندة بعينها.

وقال رئيس الوزراء:” إن طاقم المستشارين العاملين بمكتبه يعتبر الأصغر في العالم ولا يتجاوز عددهم الاربعة اشخاص، مشيراً الى أن مكتبه يتحمل العبء الاكبر في ادارة شؤون البلاد، ونفى في الوقت نفسه تغول الاستشاريين على دور او عمل رئيس الوزراء، ورأى أن الحديث حول الأمر بتلك الشاكلة يحمل قدراً من الاستفزاز، مشدداً على أن كل تصرفات مستشاريه تتم بتوجيه مباشر منه وفي إطار الدور المناط بهم”.

وأردف ” ما يثار عن شلة المزرعة محض شائعات لا أساس لها من الصحة”.وأفاد بأن دور الوزير تنفيذي بينما يقوم المستشار بتقديم الدراسات والمشورة وانه يمكن ان يساهم في وضع سياسيات الدولة. وقال ” الدور الرئيسي للمستشار هو رفد رئيس الوزراء برؤية أو استشاره تتفق مع الوزير المعني وفي نهاية الأمر القرار النهائي يعود لرئيس الوزراء”.وأردف “ليس هناك مستشار يشتغل اي عمل بدون اشرافي الشخصي وبتكليفات واضحة جداً”.

تجدد الاتهامات

بتاريخ 18 أغسطس 2020 تجددت الاتهامات بل زاد حجمها هذه المرة أكثر من العيار الثقيل خاصة وأن مصدرها هو شاهد عدل كان جزءً من الجهاز التنفيذي حيث اتهم وزير الطاقة والنفط المستقيل، عادل علي إبراهيم، كبير مستشاري رئيس الوزراء، الشيخ الخضر، بالعمل على تخريب اقتصاد البلاد، وحمله مسؤولية ارتفاع أسعار السلع، قبل أن يحث عبد الله حمدوك على إقالته.

 

وقال عادل إبراهيم، في بيان مُوجه للشعب السوداني: “إن كبير مستشاري رئيس الوزراء يتدخل في العمل التنفيذي بطريقة مخلة ومضرة بقيم الشفافية والديمقراطية”.

وأشار إلى أن الشيخ الخضر يعمل على خراب المؤسسية وإبعاد روح القانون، بالاستيلاء والهيمنة على مركز اتخاذ القرار ليفعل الإقصاء والمحسوبية، مفيدًا بأن ذلك ظهر في تعينات وكلاء الوزارات ووظائف قيادية في الحكومة، والتوصية بفصل أو ترقية موظفين في مؤسسات الدولة.

وأفاد إبراهيم بأن الخضر نزع سُلطة التعاقد والشراء للمواد البترولية من وزارة الطاقة وحولها إلى وزارة المالية بقرار من وزيرها آنذاك إبراهيم البدوي في 10 مارس 2020، لتُسلم إلى مدير السلع الاستراتيجية بوزارة المالية.
وأكد على أن تحويل هذه السُلطة من إدارة كاملة في وزارة النفط إلى موظف واحد “عمل ضد قانون الثروة النفطية ونظام الدولة، الذي كان يعمل منذ نصف قرن من الزمان في استيراد وتوزيع الوقود”، لتكون نتيجته “ارتفاع في أسعار كل السلع ارتفاعا لا يتناسب مع ما حدث لسعر صرف الجنيه منذ نهاية مايو وطوال يونيو”.

 

ووصف الوزير المستقبل الأمر بأنه تدمير لاقتصاد البلاد، وحمل كبير مستشاري رئيس الوزراء ومدير السلع الاستراتيجية مسؤولية هذا “الخراب، لأنهما توليا مسؤولية التعاقد والاستيراد والشراء لكل الوقود في البلاد التي لم يُستورد إليها أي جازولين خلال شهري مايو ويونيو 2020”.

وقال إبراهيم إن مدير السلع الاستراتيجية في وزارة المالية عُزل شفاهه في منتصف مايو الماضي، ليتولى مسؤولية استيراد الوقود كبير مستشاري رئيس الوزراء، حيث كان يصدر توجيهات لمدير مكتب وزير المالية، لينصب نفسه مفاوضًا تجاريًا وفنيًا نيابة عن الدولة.

ولمح إبراهيم إلى تورط الشيخ الخضر في فساد مالي، حيث تساءل: “نريد أن نعرف أيام تولي الخضر ومدير السلع الاستراتيجية مسؤولية استيراد الوقود، أي قانون جرى إتباعه وكم كان السعر في توريد 3 شحن جازولين في مارس وأبريل 2020، وتوريد شحنتي غاز في يونيو الفائت”.

 

وأضاف: ” قصة الباخرة الراسية منذ آخر شهر يناير ٢٠٢٠، التابعة لشركة لرجل الأعمال السعودي، تشهد على نوعية تفكير وتوصيات كبير المستشارين”.
وتابع: “الباخرة كانت ضمن ٧ بواخر أخرى أيام أزمة الديون العالقة مع الشركات الموردة منذ يناير الماضي. وقد صدرت بطريقة مفاجئة وغريبة توصية من كبير المستشارين بإلغاء العقود كلها، رغم رسو الباخرة في مياهنا الإقليمية والعقد المبرم سلفا”.

وأشار عادل إلى رئيس الوزراء تبني توصية كبير المستشارين “وأمرنا بإلغاء كل العقود مهما كانت العواقب”.
وطالبت شركة فيتول الأوربية، من السودان، بتعويض قدر 7 مليون دولار، نتيجة تأخره عن تفريغ شحنة وقود طوال 3 أشهر، أثر رفض وزارة المالية تخليص إجراءات ناقلة نفط بحجة اختلاف سعر عقد الشراء عن السعر العالمي.
وطالب الوزير المستقبل قوى الحرية والتغيير – باعتبارها ائتلاف حاكم – بالتحرك الفوري وإبعاد الشيخ الخضر من منصبه، كما دعا رئيس الوزراء لـ “أن يظهر ويثبت مكانة ودور قائد حكومة الثورة، ويتخذ قرارات تاريخية ويقيل أقرب اصدقائه”، أي كبير مستشاريه.

 

وأضاف مخاطبًا لجان المقاومة التي تطالب بتصحيح مسار الحكومة الانتقالية: “لابد أن يبدأ تصحيح المسار من مكتب السيد رئيس الوزراء، قبل تشكيل أي مجلس أو تعيين أي وزير جديد. أعزل هذا الرجل يا حمدوك فورًا وإن شق عليك”.

خلف الكواليس

بتاريخ19 يوليو 2020 كشف وزير المالية المستقيل إبراهيم البدوي، عن رفض رئيس الوزراء عبد الله حمدوك منحه صلاحيات تنسيقية كافية لإنفاذ برنامج مراقبة لخبراء صندوق النقد الدولي.

وقال الوزير المستقيل، في بيان له: “معالجة أزمة الاقتصاد السوداني لابد أن تبدأ بإصلاح تشوهات الاقتصاد الكلي المترتبة على الدعم السلعي وتعدد أسعار الصرف وتسيد الأنشطة الطفيلية المرتبطة بالسوق الموازي للنقد الأجنبي”.
وأشار إلى أن ذلك يمكن أن يتم عبر تطوير رؤية للاقتصاد، تستند على ترشيد دعم المحروقات وذلك بالانتقال إلى الدعم المباشر سواء بزيادة الرواتب أو الدعم النقد المباشر، إضافة إلى إصلاح نظام سعر الصرف وصولا لتوحيده.

 

وقال إن إدارة الاقتصاد لا تتحقق بالحوكمة الرشيدة والإصلاح المؤسسي فقط، بل لابد أن تستند إلى تفويض كامل للصلاحيات من طرف مستويات السلطة الدستورية والتنفيذية.

وأفاد البدوي بأنه أثار مسألة التفويض في اجتماع برئيس الوزراء في 2 يوليو، “لأن الأمر أصبح مُلحاً بعد الاتفاق مع برنامج مراقبة خبراء صندوق النقد الدولي (SMP).وأضاف: ” طلبت من رئيس الوزراء تحديد مساحة وطبيعة الملفات الاقتصادية التي يرى أن تكون تحت اشرافه المباشر، وعن طبيعة المهام التي سيطَلِع بها مستشاروه الاقتصاديون، بغرض تعزيز التكامل وتفادى تضارب الصلاحيات”.

وتابع: “حاولت أيضًا إقناعه بضرورة منحي، كوزير مالية، صلاحيات تنسيقية كافية لكي أقود عملية انفاذ برنامج مراقبة خبراء صندوق النقد الدولي المتفق عليها خلال الستة أشهر القادمة”.
وأشار إلى أن طلباته أتت في ظل تباينات حدثت بينهما في بعض القضايا الهامة، وذلك بعد أن رأى “أن الرأي الفني المتخصص لم يُحظ بالاحترام الذي يستحق”.

وأوضح البدوي أنه طلب ذلك بغرض تعزيز الانسجام ولتفادي خلافات كبيرة في وجهات النظر في المستقبل، خاصة وأن الفترة القادمة يفُترض أن تشهد قرارات صعبة يتوقع أن تفُضى إلى تحولات اقتصادية عميقة.

وقال إن رئيس الوزراء تعهد بالرد على طلباته، وانهما اتفقا على عرض مسودة برامج مراقبة لخبراء الصندوق على اجتماع مجلس الوزراء والموازنة المعدلة الناجمة عنه، إضافة إلى ورقة تسعير المحروقات لإجازتها خلال الأسبوع التالي.
وأشار الوزير المستقيل إلى أن رئيس الوزراء لم يوف بتعهداته، مما دفعه للتحدث معه مرة أخرى يوم الثلاثاء 7 يوليو، وأن حمدوك وعد بدعوة مجلس الوزراء للاجتماع يوم الأربعاء 8 يوليو، لكن ذلك لم يحدث.

وتابع: “الذي وردني شيء آخر يتعلق بخبر موثوق، بأن هناك ترتيبات كانت تجرى وراء الكواليس وبتكتم شديد، للتفاهم مع شخص من داخل الوزارة، على دراية بمفاوضات برامج مراقبة لخبراء الصندوق، ليصبح وزيراً مكلفاً بديلاً عني”.

 

وتابع: “بالطبع لم يزعجني هذا الأمر لأنني كنت قرأت ماذا يريد رئيس الوزراء من حيثيات (عدم الفعل) الذي اتسم به موقفه”.

وقال البدوي إن الحظ لم يحالف وزارة المالية في تحقيق الأهداف المرجوة منها في وقت قصير، لكنه أكد على إنها حققت إنجازات كبيرة بفضل وضوح الرؤيا وقوة المنهج.
وأفاد بأن السنوات الطويلة لسوء إدارة الاقتصاد تتطلب منح تفويض كامل لوزارة المالية لتتمكن من تنسيق وقيادة عملية الإصلاح الاقتصادي.

 

وقال البدوي إن القطاع الاقتصادي في الحكومة الانتقالية يعمل في جزر معزولة من الشركات والهيئات والصناديق في بعض الوزارات محمية بتشريعات تمكنها من الاستمرار في تجنيب الإيرادات وصرفها دون إشراف وزارة المالية، الأمر الذي أدى عدم تمكن الوزارة من إدارة السيولة وتوظيفها حسب أولويات وحاجات الاقتصاد السوداني.

 

تمهيد

هذا الاجترار لهذه الافادات القصد منها تذكير القارئ بالتقاطعات الشائكة حول العلاقة بين رئيس الوزراء ومستشاريه داخل وخارج المجلس ، لأن تفهم ذلك مهم كمدخل للوصول لاجابات شافية يهدف إليها التحقيق..

 

الحزب الشيوعي

المفاهيم التي كانت تسود داخل الحزب الشيوعي واليسار عموماً مثل الديمقراطية الجديدة وطريق التوجه اللارأسمالي وغيرها خضعت بعد 19 يوليو 1971م لمراجعات حقيقية قادت إلى توطين الديمقراطية الليبرالية في (فكروية) الحزب الشيوعي ، كما قادت إلى حسن الظن في الطريق الرأسمالي لدرجة أن دورة اللجنة المركزية للحزب في العام 1977م حملت عنوان (الديمقراطية مفتاح الحل للأزمة الاقتصادية) ، ومنذ ذاك الوقت أصبح الحديث عن الديمقراطية وطريق التوجه الرأسمالي حديث دارج داخل الحزب الشيوعي واختفت تبعاً لذلك مفردات الماضي اللينيني ، فسعى الحزب إلى أن يكون حزباً ديمقراطياً ينشد الاشتراكية من خلال طريق التوجه الرأسمالي وهذا هو المناخ الذي نشأت فيه وترعرعت الكوادر التي ولجت بوابة الحزب الشيوعي في السبعينات والثمانينات ومن بينهم (حمدوك) وزملائه.

وبلاشك أن الحزب الشيوعي واجه كثير من القمع والبطش لأن الديمقراطية كانت غائبة على مستوى الوطن في الحقبة المايوية وكل الاحزاب كانت تصارع وتقاوم من أجل استعادة الديمقراطية ، وبالتالي كان الخطاب السائد وقتها هو الخطاب الديمقراطي وليس الخطاب الماركسي في بعده الطبقي ، وواجه التيار العلماني أيضاً بشقيه الليبرالي والماركسي تحدياً ثقافياً تمثل في الحركة الاسلامية التي برزت بقوة بعد مصالحتها لنظام مايو ما استدعى خطاب مغاير وجد ضآلته في الثقافة الغربية وفكرها الليبرالي المنتشر وكتابات الديمقراطيين العرب مثل المكتبة المغربية وكتابات مهدي عامر وحسين مروة وغيرهم ، وهذا يعني أن المكون الماركسي لم يعد هو الوحيد الذي يشكل عقلية الشيوعي السوداني.

ويقول القيادي باللجنة المركزية للحزب الشيوعي د.صدقي كلبو في كتابه (موسم الهجرة إلى اليمين) الذي رد فيه على افكار الراحل الخاتم ” إنه وبعد إنهيار المعسكر الاشتراكي والسوق الاشتراكية أغلق الطريق أمام دول العالم الثالث للوصول إلى الاشتراكية عبر طريق التوجه اللارأسمالي وأن هذه الدول لا بد أن تمر بالمرحلة الرأسمالية” ، وأشار مؤتمر الحزب الشيوعي الخامس إلى الاشتراكية كأفق فقط.

ونخلص إلى أن العلاقة التي تشكلت بين حمدوك وزملائه في الحزب الذين أصبح بعضهم هو الأقرب إليه الآن هي نتاج نظرة مشتركة وتجربة مشتركة تشكلت قبل أن تكون لهم صلة بالمجتمع الدولي.
(نواصل)

 أشرف عبدالعزيز

صحيفة الجريدة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى