تحقيقات وتقارير

الحكم الذاتي للمنطقتين وجدل الانفصال

تهاني وتبريكات في بريد الحكومة وحركات الكفاح المسلح بعد التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاق بجوبا، استغرقت المفاوضات عاماً من أجل إسكات صوت البندقية التي استمرت لعشرات السنين في بعض المناطق، وتم منح المنطقتين الحكم الذاتي ومنحهما 40% من الثروة لـ10 سنوات، لكن البعض يتساءل عن هل يمكن أن يكون بداية لانفصال جزء آخر من البلاد ؟ رغم أن الحكم الذاتي طرحته الحركة الشعبية إلا أن بعض الحركات لم تعترض عليه طالما أنه حل لمشاكل المنطقتين، فحركة العدل والمساواة مثلاً تؤمن بالنظام الفيدرالي وتعتبره الأنسب للسودان .

 

سياسات إقصائية
اتفاق جوبا منح المنطقتين حكماً ذاتياً وهو ليس بدعة في السودان بل من صيغ الحكم المعترف بها دستورياً في الظروف التي تقتضي ذلك، عُمل به في الاتحاد السوفيتي قبل انهياره وفي دول أخرى، والمرجو منه الحفاظ على وحدة البلاد وليس فرصة لانفصالها كما حدث في انفصال جنوب السودان 2011م ، لكن بعض المختصين في القانون الدستوري أبدوا ملاحظات على صيغة كتابة الاتفاق. فبعض المفردات التي تم استخدامها في الحكم الذاتي للمنطقتين تعني أنهما دولة ذات سيادة وليس إقليماً داخلياً .

الأمين السياسي للعدل والمساواة بالخرطوم محمد عثمان (حمدتو) أكد في حديثه لـ(السوداني) أن الحكم الذاتي لا يعني الطريق إلى الانفصال، لكن سياسة الإقصاء هي التي تجعل الانفصال ممكناً ، مشيراً إلى أنه يعطي للمناطق التي لها خصوصة وقال إن الفيدالية يمكن أن تحل تقاسم السلطة ومن أجل تنمية المنطقة وإحلال السلام، مشيراً إلى أن المنطقتين تحتاجان لمعالجة قضاياهما داخل النظام الفيدرالي للدولة السودانية .

 

حمدتو قال كان يمكن أن يتم التفاوض داخل السودان بدلاً عن جوبا، لكن لولا رفض الحرية والتغيير وثيقة السلام التي تم التوقيع عليها في أديس أبابا بين الجبهة الثورية والحرية والتغيير والتي كان من المفترض أن تضمن في الوثيقة السياسية والدستورية وأضاف: كان هذا سيغنينا عن المفاوضات بالخارج إلا في ملف النازحين واللاجئين وملف الترتيبات الأمنية.

القيادي بالحرية والتغيير محمد الأمين اعتبر في حديثه لـ(السوداني) أن المطالبة بالحكم الذاتي حق مشروع للمنطقة التي تُطالب به، مؤكداً أنه لا يعني الانفصال، وقال إن السودان لن ينفصل وإذا حصل سيحدث لعدة مناطق بسبب الأحزاب السياسية التي تمضي بسياساتها الاقصائية ممثلة بالمجلس المركزي .
الأمين أشار إلى أن ضمانات عدم انفصال جزء آخر من البلاد هو قبول الآخر للوصول إلى سودان موحد، وقال إذا لم يتم تقبل الآخر فمن حقه أن يطالب بالانفصال .

 

تقرير المصير
بعض حركات الكفاح المسلح رفعت حاجب الدهشة لأن بعض الأحزاب السياسية المشاركة في الحكومة الانتقالية لم ترحب بالاتفاق، معتبرة أن الاتفاق بالنسبة لها يعني تقاسم السلطة ، فهي تخشى علي مقاعدها أكثر من حرصها على تحقيق السلام في مناطق ظلت تنزف عقوداً طويلة ، بعض مكونات الحرية والتغيير سعت جاهدة لاجهاضه، مشيرة إلى أن ممثليها الذين ذهبوا إلى جوبا كان اهتمامهم فقط بتعيين الولاة وليس دعم مسيرة التفاوض .

 

رئيس الحركة الشعبية شمال بالداخل عمر الطيب أبوروف أكد في حديثه لـ(السوداني) أن فقرة الحكم الذاتي قد وردت بالاتفاقية التي تم التوقيع عليها بجوبا، ولا يوجد أي حديث عن ضمانات ، وقال إن الضمانات لم تدخل إلى الاتفاقية المحروسة بالمجتمع الدولي ومؤسساته والدول الكبرى لم تضمن تنفيذ بروتكولات الاتفاقية مكتملة ،واضاف : إن الضمانات لا توجد في ظل ضمائر تلتزم الوفاء، مشيراً إلى أن أحد الكتاب أصدر كتاباً حول جدلية نقد العهود والمواثيق كصفة ذميمة ظلت ملازمة لبعض القادة والقوى السياسية فكلما عاهدوا عهداً نقضه فريق منهم .

 

أبو روف يذهب في حديثه إلى أنه خلال عملية السلام الحديث عن لفظ المشورة الشعبية، وقال كنا نعرفها بأنها (ابن صغير) لتقرير المصير ، وأضاف : هي نتيجة للظروف التي مر بها السودان لم تكتمل وعادة الحرب من جديد للمنطقتين، مشيراً إلى أن البروتوكول في منطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق وأبيي ظل من البروتكولات المعلقة من اتفاقية السلام حتى انفصال جنوب السودان 2011م ، وأوضح أنه بعد انفصال دولة الجنوب عاد الصراع إلى المنطقتين وعادت الحرب وحدث صراع بين رفاق الحركة الشعبية وانقسمت إلى جناحين ، الاول بقيادة عبدالعزيز الحلو عقب مؤتمر كاودا 2017م وجسم آخر بقيادة مالك عقار ، مشيرا إلى أن الحركة عادت لمفاوضات السلام بمنبر جوبا عقب ثورة ديسمبر بفريقين، أحدهما وقع عبر الجبهة الثورية وقبل بالسلام والفريق الثاني استقبل رئيس الوزراء بالمناطق المحررة بقيادة عبدالعزيز الحلو واعلن عن موقفين هما حق تقرير المصير أو العلمانية ، وقال لا أجد فئة صالحة تتحدث عن الحكم الذاتي في ظل أوضاع سياسية معقدة داخلياً وخارجياً ورغبات لدى المجتمع الدولي جامحة لاصطياد مصالحة في مثل هذه الظروف ، مشيرا الى أن الواقع الذي أفرزته اتفاقية السلام بجوبا مؤخراً غاب عن مسرحها الحلو وعبدالواحد نور رئيس حركة تحرير السودان ومجموعات مسلحة عبرت عن رفضها للاتفاق، مؤكداً أهمية استكمال السلام وتقديم التنازلات التي تحافظ على ما تبقى من الوطن، وضرورة جلوس السودانيين لادارة دولة تضمن أن المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات، مشيراً إلى أهمية تثقيف الشعب الذي أمضى عشرات السنين تحت وطأة الانظمة الديكتاتورية ما أدى إلى ظهور جيل من الشباب لقيادة ثورته المجيدة ودفع ثمنها وكتب دستورها بدمائه الطاهرة على امتداد تاريخ النضال، لكن لم يقطف الثمار حتى الآن، داعياً إلى مزيد من الحوار للوصول إلى حلول ناجعة والتأسيس إلى دولة متصالحة ومتسامحة تبحث عن مصالحها وسط أجواء عالم لا يرحم الفرقاء .

 

حرية كاملة
أستاذ القانون الدستوري بركات موسى الحواتي أكد في حديثه لـ(السوداني) أن اتفاق جوبا خطوة جادة لإيقاف الحرب واستقرار وتنمية والبلاد، إلا أنه أشار إلى أن المادة (9-53) تنص على اعطاء للمنطقتين الحق لعقد اتفاقيات إقليمية ودولية والتفاوض بشأنها في مجالات التعليم ،الثقافة ،الرياضة ،التجارة ،القروض، المنح والمساعدات الفنية مع الحكومات الأجنبية والمنظمات غير الحكومية الأجنبية بمالا يتعارض مع السياسات القومية بالتنسيق مع السلطات الاتحادية المختصة، لافتاً إلى أن هذا الأمر تقوم به الدولة الأم ، وقال لا يمكن إعطاء حرية كاملة وكان ينبغي أن تكون تحت إشراف وليس بالتنسيق أو بعد الاتفاق مع الحكومة الاتحادية، وأضاف : تم التعامل مع المنطقتين كأنهما دولة ذات سيادة .

 

الحواتي قال لا توجد ضمانات لعدم حدوث انفصال للمنطقتين أو تقرير مصير ، مستدركاً: الضمان هو حسن النوايا والالتزام الاخلاقي والدستوري بما تم النص عليه لأن هناك الكثير مما يقال إن هذا مرحلة تؤهل إلى نظام اتحادي كامل الدسم ، واضاف : داخل النظام الاتحادي لا بد أن تكون السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية موجودة .موضحا أن المادة (8) من الوثيقة الدستورية في الفصل الثالث أشارت إلى 3 مستويات في الحكم اتحادي، ولائي، ومحلي ولم يتم النص على الحكم الذاتي، وقال طبيعياً أن تخضع الوثيقة بما يتوافق مع الوثيقة الدستورية، واضاف : إن نظام الحكم الذاتي هو نظام للحكم والادارة في إطار الوحدة السياسية والقانونية للدولة أساسه اللامركزية ويتحقق بالاعتراف لأحد أقاليم الدولة الموحد بالاستقلال في إدارة شؤونه تحت اشراف ورقابة السلطة المركزية بهدف معالجة مشاكل الاقليات وخصائص العرقية والثقافية داخل الدولة الواحدة ، قاطعاً ان هذا الاسلوب يقي الدولة انفصال احد اقاليمها ويحافظ علي وحدتها، وكان يتمتع به اقليم كردستان ،وقال لا بد من التمييز بين الحكم الذاتي والاتحادي وهو ان استقلال الاقليم المتمتع بالحكم الذاتي يؤدي الي تعدد السلطات في الدولة ويجعله قريبا من الاتحاد الفيدرالي ، وقال لا يترتب على الحكم الذاتي قيام دولة جديدة، وليس للاقليم الذي يتمتع بهذا النوع من الحكم ان يتحكم في تكوين ارادتها او تعديل الدستور المركزي وهو اختصاص الحكومة المركزية، فيما تشارك الولايات الاعضاء في الاتحاد الفيدرالي ، مشيرا الى ان الحكم الذاتي حل لمشاكل الاقليم، ويخدم الدول الحريصة على استقلالها وحريصة علي الوحدة فيما بينها في نفس الوقت .

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى