تحقيقات وتقارير

الحرية والتغيير: الموازنة المعدلة “كارثية” وتمت بسرية

 

كشفت قوى الحرية والتغيير، النقاب عن كواليس إعداد وإجازة موازنة 2020م المعدلة، وكيفية إعداد الموازنة بسرية وإجازتها في (جلسة واحدة)، ورفض (المهلة) التي طلبتها الحرية والتغيير لمناقشة التعديلات، ومساعي الحاضن السياسي حول كيفية الخروج من الأزمة، عبر بدائل طرحت للأجهزة التنفيذية.

 

ووصف عدد من الخبراء بقوى الحرية والتغيير موازنة ٢٠٢٠ بانها (غريبة وكارثية)، وأنها لم تمر عبر القنوات المعنية، واعلنوا رفضهم (القاطع) لها، وقالوا إن اللجنة الاقتصادية بقوى الحرية والتغيير( فوجئت) أن مجلس الوزراء أجاز الموازنة ، ولم تخضع للنقاش والتشاور، وتساءلوا كيف تعد موازنة بطريقة(سرية) كل الجهات المختصة لم تطلع عليها، وذكروا ان الموازنة (تمت اجازتها في جلسة واحدة)، موضحين أن اللجنة في اجتماع مشترك مع وزيرة المالية المكلفة، طلبت بتمديد مهلة لمدة أسبوع قبل إجازتها والاطلاع عليها، ولكن الوزيرة( اعتذرت) وتحججت باجتماع المانحين بالرياض، بأهمية إجازة الموازنة وربطها بالاصلاحات الاقتصادية، بطلب من الدول المانحة لتقديم الدعم، الا ان اللجنة( تمسكت برفضها القاطع لهذه الموازنة) ، واشاروا الى أن الوزيرة المكلفة وعدتهم برفع هذه المطالب ولكن( فوجئوا ) بأن ذلك لم يحدث( واجيزت الموازنة) .

 

ويرى عضو اللجنة الاقتصادية العليا لقوى الحرية والتغيير محمد نور كركساوي، أن الخلاف بين الحكومة وألحان السياسي (جوهري)، يظهر في اختلاف المدارس الاقتصادية، وقال إن الاختلاف برز بين الطرفين فيما يخص امر رفع الدعم، ودعم الموازنة الخارجي وكذلك الغاء الديون، بدفع فوائد الديوان البالغة ٣ مليارات جنيه، للحصول على التمويل، واضاف : رفع الدعم واستبداله بالدعم الاجتماعي يصعب لأن، (ظروف السودان تختلف عن الدول الأخرى)، مشددا على أن آلية تطبيق الدعم الاجتماعي لم تكتمل، بجانب أن يكون تحرير الاقتصاد بالتدريج، لان نسبة الفقر بالبلاد مرتفعة.

 

موازنة (بالكربون)
وقال عضو اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية التغيير التجاني حسين، في مؤتمر صحفي أمس باتحاد المصارف، حول موازنة 2020 انها اشتملت على (أخطاء وتزييف) متعمد في المعلومات بغرض تمرير سياسات بعينها، إلا أن موازنة 2020 المعدلة قد جاءت بأسوأ منها، وعلى ذات الطريق، موضحا ان سلبيات موازنة 2020 قبل التعديل، انها تم وضعها بواسطة فريق لا يمت لثورة ديسمبر المجيدة بصلة، لذلك جاءت نسخة (بالكربون) لموازنات النظام البائد، رغم أن اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير قدمت لوزير المالية ورئيس الوزراء برنامجا وبدائل لسد العجز، ولكن لم يؤخذ بها، وتم اعتماد برنامج النظام البائد (وروشتة صندوق النقد الدولي التي أدت لانهيار اقتصاد أي دولة طبقتها).

 

اشتملت الموازنة على تضخيم للإيرادات بصورة متعمدة في موردين الأول هو مورد المنح ( 156 مليار جنيه) والثاني عائد الشركات العسكرية والأمنية ( 110) مليارات جنيه، حاصل جمعهما 267 مليار جنيه (40% من الإيرادات، وهي إيرادات (وهمية) لم تتحقق، واشتملت الموازنة على تضخيم متعمد للإنفاق وبنسبة زيادة 200% عن العام 2019م لأول مرة فى تاريخ السودان، علما بأن الزيادة غير متضمنة لتعديل الهيكل الراتبي.

 

ضرائب المحروقات
وذكر حسين، أنه تم خلق(أزمة مفتعلة) بالمحروقات، علما بأن إنتاج البلاد من البنزين يعادل 78% من استهلاكها، والجازولين يعادل 48%، وان الدولة تفرض ضريبة قدرها 35% على كل لتر محروقات يباع للمستهلك، وذلك لتبرير زيادة أسعار المحروقات بنسبة 350% بشهر مارس 2020م ، وتأتي تلك الزيادة ضمن التزام الطاقم (إياه) باتفاقه (المخل) مع صندوق النقد الدولي الذي وافقت تلك (المجموعة) على فرض رقابته على أداء الاقتصاد السوداني، مما يعني رهن إرادة البلاد للأجنبي.

 

خرق القانون
وأوضح حسين ، ان الموازنة عملت على تضخيم حجم المبالغ المرصودة للدعم السلعي وبخاصة المحروقات باعتماد طريقة افتراضية خاطئة تقوم على (الحساب على الورق) وفروقات سعر العملة، وليس على التكلفة الحقيقية، وكان وزير المالية السابق يغير في الأرقام وحجم الدعم بين كل فترة وأخرى على حسب الغرض.

 

لم يتم الالتزام حتى بتلك الموازنة في التطبيق، بل تم تجاوزها، برغم أن الموازنة بعد إجازتها تصبح قانوناً لا يجوز خرقه، إلا بالرجوع للهيئة التشريعية التي أجازتها، فقد تم رفع الدعم عن المحروقات بمضاعفة أسعارها إلى ما يقارب خمسة أضعاف مرة واحدة، فكان الارتفاع الكبير في أسعار المواصلات من 30 جنيها للفرد في اليوم الواحد إلى 400 جنيه، وارتفاع أسعار كل السلع بسبب ارتفاع تكلفة النقل، وقد أثر ذلك على حياة 40 مليون مواطن سوداني، وليس على أصحاب المركبات فقط كما يدعي المروجون لروشتة صندوق النقد الدولي، كما تم تحريك السعر الرسمي للدولار من 45 إلى 55 جنيها، ومضاعفة الرواتب بنسبة 560% بدون تدرج أو توفر موارد حقيقية، وبدون اتخاذ ما يلزم من إجراءات لتثبيت الأسعار، فكانت النتيجة ارتفاع الأسعار لتمتص كل تلك الزيادات وأكثر منها.

 

احوال(المعيشة)
وارتفع سعر كيلو السكر من عشرة جنيهات إلى 110 جنيهات، وطبق البيض من 50 جنيها إلى 350 جنيها، وكيلو الموز من 5 جنيهات إلى ثمانين جنيها، وكيلو البطاطس من عشرة جنيهات إلى مائة جنيه، وعلبة الصلصة من عشرة جنيهات إلى مائة وخمسين جنيها، وقس على ذلك بقية السلع. وكل تلك نتيجة مخالفات توجب المساءلة لأنها لم تنص عليها الموازنة. فقد تم الاتفاق على إلغاء كل ما يتعلق برفع الدعم أو تحريك سعر الجنيه السوداني أو الدولار الجمركي من الموازنة قبل إجازتها وذلك في اجتماع مجلس الوزراء والمجلس المركزي واللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير بمجلس الوزراء يوم 28 ديسمبر 2019م، ولكن الوزير السابق لم يلتزم بذلك الاتفاق، بالإضافة إلى عدم الالتزام بما نصت عليه الموازنة من زيادات متدرجة في الرواتب تصل إلى 100%، فتم تجاوز ذلك إلى 560% ولا سبيل للتراجع عن الزيادات في الرواتب لأن السوق أصلا امتصها.

 

موازنة( السرية)
وافاد حسين انه تمت إقالة وزير المالية السابق د.البدوي، وكان المفترض أن المقصود( ليس الأشخاص) إنما السياسات، ولكن جاءت الوزيرة المكلفة لتسير على ذات الطريق. وتم استغلال جائحة كورونا لتمرير روشتة صندوق النقد الدولي، وبينما الوزيرة المكلفة اجتمعت باللجنة الاقتصادية للوصول لحلول وطنية، إلا أنها كانت (تضمر تمرير موازنة ) تم وضعها في (سرية تامة) وخارج أسوار وزارة المالية، ولم تعرض الموازنة المعدلة على قوى الحرية والتغيير ولجنتها الاقتصادية، إنما تم الدفع بها لمجلس الوزراء للإجازة، واشتملت الموازنة المعدلة ذات الأخطاء، من حيث تضخيم الإيرادات لتبرير تضخيم المنصرفات، واختلاف الأرقام بين ما هو مرصود وبين ماهو وارد في الجداول، وعلى أسوأ منها، واشتملت على تخفيض قيمة العملة الوطنية برفع السعر الرسمي للدولار من 55 جنيها إلى 120 جنيها للدولار . وقد أدى ذلك فورا إلى قفزة كبيرة في السعر الموازي للدولار من 140 جنيها إلى تخطي حاجز ال 200 جنيه، بمجرد إعلان تلك السياسات وقبل التطبيق، تحرير الدولار الجمركي ليرتفع من 15 جنيها للدولار بنسبة 30% شهريأ إلى أن يبلغ 120 جنيها للدولار. وتلك سياسة لا تمت لعلم الاقتصاد بصلة، إذ تؤدي لإخفاء السلع بانتظار ارتفاع أسعارها في الشهر القادم، مما أدى لارتفاع الأسعار قبل تطبيق الموازنة المعدلة.

طرح ما يسمى بالوقود الحر، مما يعني زيادة أسعار المحروقات بأكثر من 150% عن السعر الحالي، وبالتالي توقع ارتفاع جديد في تعرفة المواصلات إلى نقطة غير محتملة، وزيادة في أسعار كل السلع نتيجة لارتفاع تكلفة النقل.

 

وهكذا بدأ الانهيار الكبير في الاقتصاد نتيجة لتلك السياسات (المستوردة) والتي لا تمت لواقعنا بصلة.

أوضاع الشعب
اشار حسين ، الى عدم فرض أي زيادات جديدة في أسعار المحروقات والغاز والخبز تحت أي مسمى سواء كان (التجاري) أو (رفع الدعم)، وإعادة النظر في السعر التجاري للمحروقات لتخفيضها تدريجيا، كذلك إعادة النظر في القرارات الأخيرة الخاصة بالسياسات الدوائية، باتجاه إعادة تخصيص نسبة من حصائل الصادر للدواء ودعم الصناعات الدوائية الوطنية، إضافة إلى دعم خطط وزارة الصناعة والتجارة لإنشاء الجمعيات التعاونية الإنتاجية والاستهلاكية، مما يساعد على تحديد الأسعار ومراقبتها، وإعادة العمل بقانون الرقابة على السلع،ومعالجة أزمة المواصلات واختناقات النقل داخل المدن وبين الولايات ، ثم تحسين وتطوير مشاريع الإمداد المائي والكهرباء ومشروعات النظافة وصحة البيئة، ودعم وتمويل مشاريع الشباب الصغيرة والمتوسطة وإدخال برامج للتدريب والتأهيل في المجالات والتخصصات المختلفة، ومكافحة البطالة وتوسيع فرص العمل للشباب والمرأة وإدخال نظام التأمين ضد البطالة.

تقرير: ابتهاج متوكل

صحيفة السوداني

 

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى