ناهد قرناص

ناهد قرناص تكتب: القرد الأعمش ..والنظارة

كانت قصة في كتاب المطالعة زمان ….قرد عجوز ضعف بصره ..واعياه البحث عن حل ..حتى حكى له بعضهم ان عند البشر شئ يقال له (نظارة) ما ان تمتلكها ..حتى يرتد اليك بصرك من جديد ..فارسل في المدائن يسأل عن النظارة حتى اتوا له بها ..امسكها بيده اليمنى ..فلم ير شيئا ..حولها الى يده اليسرى …فلم يتغير شئ ..وضعها على قدمه اليمنى ..لاشئ ..اليسرى ..ذات النتيجة ..وضعها على قمة رأسه ..خيبة الامل ذاتها ..ضاق صدره ..فضربها وكسرها وهو يلعن البشر واختراعاتهم التي لا تفيد .
ما اشبه حالنا بحال ذلك القرد العجوز ..وهبنا الله كل شئ في هذه البلاد ..فماذا فعلنا ؟ لم نستطع الاستفادة من خيراتها فاعملنا فيها تكسيرا وهدما ..اطول انهار العالم يجري بين ظهرانينا ….يجري هكذا من الجنوب الى الشمال حاملا ماء عذبا زلالا ..الاطنان من الطمي الصالح للزراعة ..لا زرعنا ولا حصدنا ولا استفدنا من ضفافه ..يجري منذ بدء الخليقة ..وكل عام يفيض على جانبيه ..فنتحسر ونبكي على المباني التي هدمها ..وبعد قليل ..نعيد ذات المبنى في ذات المكان ..وننتظر ان يغير رأيه في العام القادم ..
السودان هو اكثر بلاد العالم ثراء في المياه ..مياه جارية ..مياه جوفية ..امطار موسمية غزيرة ..ورغم كل هذا يموت اغلبنا من العطش ..والنيل الذي يفيض كل عام ..وتدخل مياهه بيوتنا عبر الباب ..عجزنا ان ندخلها عبر الانابيب ..رغم توفر (المواسير)…النيل حاليا يهدد اغلب المناطق التي ترقد على ضفافه ..في الشمالية ونهر النيل ..وبالامس القريب شاهدت بأم عيني المياه في شارع النيل الخرطوم ..باقي فقط ان نرى النيل يتجول في الاحياء ومن ثم بعد ذلك نطلق النداء ونطلب يد المساعدة…مثل كل عام.

 

اجدادنا القدماء ..كانوا يحسبون للفيضان حسابه ..ويحفرون قنوات موازية للنيل حتى تستوعب المياه الزائدة ..وعند انحسار المياه يزرعون في تلك القنوات افضل الاشجار والاثمار ..موسم الامطار والفيضان الذي ياتي كل عام في ذات الوقت ..لم يكن يفاجاهم ..بل كانوا يعدون له العدة ويحتفلون بمقدمه فهو الخير كله ..روح يازمان وتعال يا زمان ..ما الذي حدث ؟ هل تغير النيل ؟ هل غير مجراه ؟ هل بعث لنا ببرقية تقول انه يعتذر هذا العام ؟ الاجابة واضحة ..(لا ) لذلك اعتقد انه تعب منا ومن محاولاتنا الكثيرة للبس النظارة بدون فائدة ..فقرر ان يصفعنا على وجوهنا ..فكانت المشاهد التي تناقلها البعض عبر الوسائط ..النيل داخل البيوت ..
عندما قامت الثورة ..وانتفض الشعب .. كانت تلك لحظة فريدة ..استطعنا فيها ان نلبس النظارة في المكان الصحيح ونرى المشهد بوضوح ..وندرك ان المشكلة هي الوعي ..وان ثروات هذا البلد تجعله مطمع الكثيرين الذين لن يدخروا وسعا في السعي لخرابه ..لكن واه من كلمة لكن ..سرعان ما خلعنا النظارة والقينا بها على الارض ..فتشوشت الرؤية ..وغاب المنطق ..تركنا حراسة الثورة ..ونزلنا من جبل الرماة قبل الموعد .. .وانشغلنا في توزيع الغنائم .. في صراع الكراسي والمناصب ..وصار شعار المرحلة هو (سجل لي شركاتك ..وسجل لي عرباتك ) ..
في الختام اهديكم كلمات تغنى بها قديما الفنان التونسي (لطفي بوشناق) ..اقرؤها بتمعن يا عقلاء البلد اكيد بعد ارتداء النظارة الطبية طبعا
(خدوا المناصب والكراسي بس خلوا لي الوطن).

 

 

 

 

صحيفة الجريدة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى