الخدمة العامة.. تبديل (التمكين) بتمكين!!

الخدمة العامة.. تبديل (التمكين) بتمكين!!


ما بين التأكيد على تفشي الفساد والتشوهات في أضابير الخدمة المدنية بالبلاد، فضلاً عن التركة الثقيلة التي خلفتها الإنقاذ في هذا الملف وفقاً لسياسات التمكين، وما تتخذه الحكومة الانتقالية حالياً من إجراءات وقرارات تهدف من خلالها لتعافي الوظائف العامة من الأمراض المستوطنة كالمحسوبية والتخلص من أمراض النظام الشمولي الذي صمم هياكل الخدمة المدنية لمصلحته، حيث أبرمت الحكومة الانتقالية اتفاقيات مؤخراً تكفل وظائف بنسب معينة لأبناء دارفور بنسبة 20% ومضت في ذات الصعيد باتفاق مع أبناء الشرق وضعتها (الصيحة) تحت المجهر ومالآت ذلك على كافة طالبي العمل بدواوين الدولة، الصحيفة أجرت تحقيقاً في هذه المسألة حول الوضع الراهن بالمؤسسات الحكومية وسياسات النظام البائد التي ما زالت جارية واستنطقت في ذلك عدداً من الموظفين المعاصرين، وطرحت تساؤلات حول الاختراق الذي يمكن أن تحدثه لجان التفتيش التي بدأت مراجعة ملفات عمل منسوبي المؤسسات الحكومة ، وتمكن لجنة إزالة التمكين فصل أكثر من (7133) موظفاً من الخدمة العامة وإنهاء خدمتهم ، وفي المقابل ما اتجهت إليه لجنة الاختيار من إجراءات جديدة في التوظيف ودرء الفساد والمحسوبية..

واقع الحال
ويجمع خبراء في شأن الإدارة وقانونيون على أن إصلاح الخدمة المدنية في السودان وتحريرها إبان سقوط حكومة الإنقاذ يواجه عقبات كثيرة، وخلافاً لآثار التمكين الظاهرة ووجود التنظيم السري الأمني الذي أقامه النظام الشمولي في كافة المؤسسات السياسية والعسكرية والإعلامية، واحتكار النظام البائد قيادة جميع الساحات من السياسية والنقابية والإعلامية وحتى الجمعيات الأهلية والأندية الرياضية وبالقمع والإرهاب وسطوة الأمن، الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي بركات موسى الحواتي نبه إلى بعض الملاحظات في إفادة تحصلت عليها (الصيحة) حول الأوضاع في الخدمة المدنية بالبلاد، متمثلة في ظهور المؤسسات والأجهزة المماثلة لنشاط قائم أدى إلى تغييب دور الأجهزة الأصل نتيجة تداخل الاختصاصات وبالتالي المسئوليات والترهل الوظيفي بسبب ازدواج النشاط وعدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب وضعف القيادة الإدارية، وقطع بأن مظاهر القصور والخلل يتمثل أبرزها في الفساد والمحسوبية وشخصنة الوظائف وتحويلها إلى ملكية خاصة، مما أدى إلى إهدار قيمة القانون وضوابط الأداء وشجع على سرقة المال العام وتقريب الأشخاص وف المزاج، وغابت المساءلة والعقاب في الدواوين الحكومية.

شهود عيان

استنطقت (الصيحة) عدداً من الموظفين بالدواوين الحكومية المختلفة من الذين كانوا شهود عيان على التجاوزات الإدارية والقانونية وطالتهم سياسات حكومة الإنقاذ في المؤسسات الحكومية والتي وصفوها بالجائرة، أجمعوا في إفاداتهم على أن السنوات الفائتة شهدت تجاوزات متعمدة بالتدرج الوظيفي، وتوعدوا مديرين عامين محسوبين على نظام الإنقاذ بتقديم مستندات تدينهم وتؤكد تورطهم في مخالفات قانونية أمام اللجان التفتيشية ولجان إزالة التمكين ، وقالت سنية إحمد وهي إحدى الضحايا كانت تعمل بوزارة الثقافة الاتحادية تم نقلها نهائياً لوزارة بولاية الخرطوم : أنا كنت في الدرجة الوظيفية الثالثة، وهي من الدرجات الوظيفية القيادية بالوزارات، وتنفيذاً لسياسات التمكين من قبل منسوبي الإنقاذ بالوزارة الولائية تم تعيين أحد المحسوبين على حزب المؤتمر الوطني مديراً لإدارة عامة بالوزارة التي تعمل فيها حتى الآن بعد تعيينه بالدرجة الخامسة مباشرة دون الإجراءات المتبعة في التدرج الوظيفي وفقاً لقوانين الخدمة المدنية، وأشارت إلى أنها عاصرت موظفين محسوبين على حزب المؤتمر الوطني قفزوا بالزانة في تقلد المناصب القيادية في المواقع التي عملت بها، واستشهدت في ذلك بمدير أسبق لهيئة تلفزيون وإذاعة الخرطوم .

نقل تعسفي
وقالت (ن) إنها مكثت (10) سنوات عندما كانت في الدرجة السابعة لتتم ترقيتها إلى الدرجة الخامسة، وعزت ذلك إلى أن حكومة الإنقاذ في بداياتها لجأت لتمكين منسوبيها بالوظائف العامة، الأمر الذي أحدث اختناقاً في الوظائف، وكانت الترقيات لبقية الموظفين موقوفة تماماً، وأماطت اللثام عن جملة من تجاوزات التمكين أبرزها نقلها (14) مرة في غضون العشرين سنة الماضية، ونقلت تعسفياً على سبيل العقاب من الوزارة التي تعمل بها إلى العمل بمحلية جبل أولياء، فيما أن منسوبي الحزب ظلوا (20) عاماً بالوزارة الولائية بالخرطوم لم يبارحوا مواقعهم القيادية، ونبهت إلى أن التمييز بين الموظفين في التنقلات ما زال مستمراً بالوزارات، وناشدت الحكومة الانتقالية بضرورة الإسراع في مراجعة ملفات الموظفين قبل كشفها عن إجراءات استباقية اتبعتها الإنقاذ لإعادة ترتيب ملفات الموظفين التي تحتوي على مخالفات وإكسابها الصبغة القانونية.

حسم الفوضى
فيما استبعد محمود هارون ـ موظف دولة تنقل بين عدد من المؤسسات الحكومية لسنوات طويلة ـ أن تتجه الحكومة الحالية إلى إقصاء أو فصل موظفين من العمل في دواوين الحكومة لأسباب تتعلق بلونهم السياسي أو لكونهم محسوبين على حزب المؤتمر الوطني، واعتبر أن حسم الفوضى التي أحدثتها الأخيرة، واتباع سياسة التمكين يمكن أن يتم وفقاً للمعاييرالتي تم اتباعها في تعيين الموظف ، ولو كان محسوباً على الوطني، مبيناً أنه إذا لم يتم التعيين وفقاً لموجهات لجنة الاختيار وقانون الخدمة المدنية يصبح الموظف غير جدير بالبقاء في مكانه، وأردف : إذا ثبت تورط أي موظف في عمليات فساد في المؤسسة التي يعمل بها ووجدت أدلة دامغة على إدانته يتوجب حينئذٍ فصله من قبل لجان التفتيش، ونبه إلى أن الحكومة الانتقالية واللجان المشكلة لمراجعة المؤسسات الحكومية تمكنت من إزالة معظم واجهات التمكين للنظام البائد والتي كانت تنفذ سياساته بمؤسسات الدولة، وقلل من إمكانية أن تكون هنالك فاعلية لبقية العناصرالمتواجدة إذا ثبت موالاتها لذلك النظام لكونها أصبحت كـ(الطير بدون أجنحة) لا يمكنها تنفيذ سياسات دون توجيهات من قياداتها التي باتت قيد الزوال بعد الإطاحة بالنظام.

تحقيق العدالة
وقطع الأستاذ أبوبكرعبد الرازق المحامي ، بأهمية مخرجات مفاوضات السلام بجوبا عن اتفاق وفد الحكومة ومسار دارفور في ملف الخدمة المدنية بأن تكون مشاركة دارفور في الخدمة المدنية بنسبه ٢٠٪، وأكد على أن دارفور تمثل أكثر من 20% من السكان بالبلاد إذ يسكنها (8) ملايين نسمة، ويأتي التمثيل بهذه النسبة على أساس التمثيل النسبي وحتى تتوفرالعدالة بدواوين العمل في الدولة أسوة بقومية الالتحاق بالمؤسسات العسكرية، مشيراً إلى أنه حتى وقت قريب انحصرت القيادات بالمؤسسات الحكومية على أبناء الشمال والوسط لكونهم من الذين تلقوا تعليماً يؤهلهم للعمل بها، بيد أن التعليم والخارطة المعرفية انتشرت الآن في جميع أجزاء السودان، الأمر الذي يستدعي أن تستوعب خارطة تقسيم فرص العمل بالخدمة كل أجزاء البلاد تحقيقاً للعدالة.

معايير الخبرة
وشدد عبد الرازق في حديثه لـ(الصيحة) في الوقت ذاته على ضرورة أن تتسم الوظائف في الخدمة المدنية بالاستقرار باعتبارها مكون دولة لا يتغير إذا تغيرت الحكومات مع ضرورة أن يتم إلحاق كل أبناء البلاد بها وفقاً لمعاييرالخبرة والكفاءة التي تحددها لجان الاختيار.

وطالب القيادي بالمؤتمرالشعبي، الحكومة الانتقالية بأن تتقيد بالقدرة على إنفاذ السياسات التي تتماشى مع دولاب العمل المنتظم بالدولة وأن تطال التغييرات بالوزارات الوكلاء فقط، وحذر من توفير وظائف لا تستطيع الدولة أن توفر مرتباتها أو تكون ضعيفة لتصبح مدعاة للموظفين للتحايل على قانون الإجراءات المالية والمحاسبية وتصديق حوافز لا حصر لها، ومن ثم ارتكاب جرائم تحت طائلة الفساد.

ونبه عبدالرازق إلى إمكانية أن تكون هنالك وظائف تتغير بحسب الأنظمة مستشهداً في ذلك بما يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية إذ أن هنالك (4) آلاف وظيفة متنقلة للحكومة التي يتم ترشيحها.
المحلل السياسي د. صلاح الدومة، أكد في إفادة مغايرة لسابقتها أن ما حدث من اتفاق بجوبا فيما يلي تحديد النسب لأبناء دارفور من الخدمة المدنية يعتبر تنفيذاً لأهداف الدولة العميقة، وقال لـ(الصيحة): لا توجد أية دواعٍ بعد سقوط نظام الإنقاذ العودة لمربع الحديث عن التسويات والترضيات وقسمة المناصب، ورهن حصول أي مواطن سوداني على الوظيفة بالخضوع للمنافسة في سوق العمل دون تمييز محدد لفئة وبلا قبلية أو جهوية، لافتاً إلى أن العطالة بالدولة بلغت 50% وبالتالي كل الشباب السوداني يحتاج للعمل بالخدمة المدنية.

درء الفساد
من جانبها أعلنت مفوضية الاختيار للخدمة المدنية مؤخراً عزمها البحث عن الوظائف المخبأة في هياكل الخدمة المدنية بالدولة درءاً للفساد والمحسوبية، وكشفت عن إجراءات جديدة للجنة الاختيار في التوظيف، وأكدت عدم السماح بالتوظيف خارج لجنة الاختيار وتوعدت أي جهة تعمل خارج نظام الخدمة المدنية في التوظيف بالمحاسبة.

وأكد الأمين العام المكلف لمفوضية الخدمة المدنية عبد السلام حمزة العمل على تعافي الوظائف العامة من الأمراض العامة كالمحسوبية والمحاباة والواسطة، وتعهد بإخضاع كافة الوظائف للأسس والضوابط الخاصة باللجنة، مبيناً أن الوظيفة العامة ليست ملكاً لأي شخص أو مؤسسة أو أي حزب، ولابد من تحديد الاشتراطات التي تمكن العدالة في العهد الجديد، وأوضح أن المفوضية سوف تتجاوز تخصيص الوظائف إلى البحث عن الهياكل التنظيمية حتى تكون مطروحة للخريجين بكل شفافية.

تجاوزات وثغرات
من جهته، طالب الأمين العام السابق لمفوضية لجنة الاختيار للخدمة المدنية مولانا مختار حسن محمد، بضرورة أن تؤول مسئولية وظائف الخبرات للخدمة العامة لمفوضية الاختيار كما النظم في كافة دول العالم، ونبه في حديثه لـ (الصيحة) إلى أن هنالك مؤسسات دولة وبنوك تعين موظفين بإجراءات داخلية دون إعلانها عبر مفوضية لجنة الاختيار، وأكد على أن التعيينات السياسية عبر وظائف الخبرات هي الثغرة الوحيدة التي تخرق نظم الاختيار للخدمة العامة، وطالب بضبطها بمعايير مفوضية لجنة الاختيار، فضلاً عن قطاعات أساتذة الجامعات والاتصالات، وشدد على أهمية أن تخضع الوظائف بالسلطة القضائية ووزارة العدل والنيابة العامة لمعايير مفوضية الاختيار دون استثناء، وقلل من أهمية أو عدالة نسب الوظائف التي تحددها الاتفاقيات السياسية، وعزا ذلك لكون أن لجنة الاختيار تعلن الوظائف عبر موقعها الإلكتروني المؤهل فنياً والذي يسمح لجميع الولايات بالمنافسة، مؤكداً على أن معايير المفوضية تضمن العدالة في المنافسة لكل أبناء الوطن.
ونفى ممارسة نظام المحسوبية في الاختيار للوظيفة العامة، مبيناً أن المعاييرالمتبعة بلجنة الاختيار تمنع وجود أي إجراءات مخالفة ومنح القانون أي متقدم للوظيفة الحق في الطعن بنتيجة الامتحان التي منحت له ومراجعته، ولفت إلى أن الوظائف بالدولة محدودة وتتناسب عكسياً مع عدد الخريجين المتزايد، ودعا إلى ضرورة أن يفتح القطاع الخاص مزيداً من المشاريع الاستثمارية لاستيعاب الخريجين، وكذلك على قطاعات الدولة تضمين مشاريع استثمارية في خططها الإستراتيجية لتشغيل الخريجين.

اهتراء الخدمة
أكد جميع الذين استنطقتهم (الصيحة) داخل وخارج أسوار الخدمة المدنية على أن سياسات التمكين التي ظلت في تماهٍ طيلة فترة حكم الإنقاذ الـ(30) عاماً الماضية هي التي قعدت بالخدمة المدنية وأدت إلى اهترائها، وأنها العقبة الكؤود أمام الحكومة الانتقالية، ونبه التحقيق إلى أن الحكومة الانتقالية أمام تحدٍّ لإزالة سياسات التمكين من الخدمة، وحذر من مغبة أن تتجه لاتخاذ نفس سياسات الإنقاذ بالفصل التعسفي دون الاستناد إلى القانون وإزالة التمكين بإجراءات تمكين أخرى، وقطع بأن التمييز بين الموظفين في التنقلات ما زال مستمراً بالوزارات الحكومية وأن الكثير من القطاعات ما زالت خارج أطر معايير مفوضية الاختيار للخدمة العامة مما يؤكد على أن الواقع ليس بعافية، وأن التناسب بين الوظائف والخريجين عكسي والشاهد في ذلك أن وزارة اتحادية طرحت (5) وظائف تقدم لها (3) آلاف خريج.

تحقيق: منال عبد الله

   صحيفة الصيحة

 

اترك رد