تأهيل مركز الشهيد قُصِي حمدتو.. دماء الشهداء تَهبُ الأحياء عَزْماً

تأهيل مركز الشهيد قُصِي حمدتو.. دماء الشهداء تَهبُ الأحياء عَزْماً


 

 

 

“عِنْدمَا يَذْهَبُ الشُّهَدَاءُ إِلَى النَّوْمِ أَصْحُو، وَأَحْرُسُهُمُ مِنْ هُوَاةِ الرِّثَاءْ، أَقُولُ لَهُم: تُصْبحُونَ عَلَى وَطَنٍ، مِنْ سَحَابٍ وَمِنْ شَجَرٍ، مِنْ سَرَابٍ وَمَاءْ “. أبيات لشاعر القضية الفلسطينية “محمود درويش” تُجَسد تماماً مَا يقوم بِه أبناء الثورة السُودانية، بناء وَطن مِن رماد خَلّفه حُكام هُوَاةِ رَثاء.

*مِن أين نُقص الحِكاية؟!
إجتماع مُصغر؛ حوُته مِساحة ضيقة اتسعت بأحلام عريضة، شباب غَضّ، أعمار مُختلفة، والهدف واحد “حنبنيهو”مركزاً صحياً كما يليق بِه، بإسمه، الشهيد “قُصي حمدتو”.
عضو مُبادرة تأهيل مركز الشهيد قصي حمدتو الصحفي “محمد الأقرع” يُجيب فِي حديثه لـ(الجريدة) على السُؤال آنفاً ويبدأ مِن حيث بدأت الفكرة قائلاً : حينما قرر الشعب السوداني الخروج للشارع ومواجهة منظومة الفساد والتسلط، كان يرنو نحو إحداث تغيير حقيقي ينعكس على حياة المواطنين، لذلك كانت شعارات الكرامة والتنمية، تلك الشعارات التي مهر أبطالنا دمائهم الغالية فداءاً لتحقيقها. ونحن في مقام العهد بشعارات الثورة وأهدافها والوفاء لدماء الشهداء في جبرة جنوب، اجتمعنا واتقفنا لإطلاق مبادرة تغيير اسم المركز الصحي بمربع (١٤) ليحمل اسم شهيد الحي والوطن (قصي حمدتو) بالإضافة لإعادة تأهيله وسد كل نواقصه.

*مركز صحي مربع (١٤) هكذا أسمته الحُكومة البائدة، والتي تَشَكَّل المركز جنيناً فِي عهدها ولكنه وأُد ودُفِن فِي التُراب حيًّا”، ولم يرَ الضوء مُذاك.
– فما السبب ؟
يقول “الأقرع” إنها واحدة مِن أبشع قصص “الكيزان” تعجرفاً، قبل عشر أعوام مضت، جاء والي الخرطوم حينها عبدالرحمن الخضر لافتتاح المركز، لكنه لم يجد حُشود، صب جام غضبه على المحلية التي فشلت فِي أداء عملها، ثْم أنصرف، بعض الأهالي أشاروا إلى أن الوفد عاد أدراجه وبمعيته كافة الأجهزة الطبية المُخصصة للمركز، وما الندوب على حوائطه إلا شواهد على انتزاع شاشات التلفزة بعد تركيبها.عانى المركز من الإهمال طوال تلك السنوات، يعمل لثلاث ساعات فقط في اليوم، نقص حاد في الحزم الطبية، ومشاكل في النظافة والكهرباء والسباكة، ما جعل أقرب القاطنيين هناك ينفرون منه، فأصبح مُجرد مبنى لا فائدة مِنه.

معركة أُخرى

عام أنفقته لجان الخدمات والتغيير بحييّ (١٤، ١٦) بجبرة جنوب وهُم يخوضون معركة أُخرى هذه المرة مع وزارة الصحة الولائية، بهدف تغيير إسم المركز ومن ثمة ترفيعه لمستشفى “مرجعي” حتى يتمكنوا من زيادة أقسامه، بيد أن الرد من جهات الإختصاص دائماً يأتي واهياً وغير مقنع. يقول مُمثل مبادرة تأهيل مركز الشهيد قصي الفاتح فرح لـ(الجريدة): بدأت أُولى محاولاتنا مع وزارة الصحة الولائية عقب تشكيل حُكومة الثورة مُباشرة، فكان مسلسل المماطلة الذي لم تنتهِ حلقاته حتى الآن. جهات الإختصاص بالوزارة تعللوا بأن تصنيف المركز لا يسمح بإضافة معمل مُكتمل، لأنّه انشأ ليكون مركزا صغيرا بإمكانيات مُحددة . ومع تفاقم إصرار أعضاء المُبادرة وزياراتنا المُتكررة للوزارة أُخبرنا بأنّ المُختصين بالمراكز الصحية سوف يزورن المركز خلال أيام قليلة لرؤيته على أرض الواقع ولم يأتِ أحد.
مُضيفاً: مللنا الانتظار فقررنا أن نخوض المعركة بالجهد الذاتي وهذا ماحدث، أخذنا تبرعات من أهالي المنطقة إضافة لما جادت به الأيادي البيضاء وبدأنا. يقول “فرح” فِي خضم ذلك جاء وفد من وزارة الصحة الولائية فصادف اجتماع للمبادرة حضره عمر عشاري وموظفين بشركة “دال”. أكد وفد الصحة أنّ المركز لا يحتاج لأيّ تبرعات من جهات خاصة مُعللين قولهم بأنّه (صغير) بل رفضوا تركيب (مكيفات) لغرف التنويم بحجة أنّ الأطباء والعاملين بِه سوف يتخذون مِنه مكان للراحة بدلاً عن العمل، (الموظفين حيعملوه مكان نوم ).المُشاحنات التي حدتث أفقدتنا تبرعات مُقدرة كانت ستصب لمصلحة المواطنين بمنطقة بها (4) أحياء ويُعاني سُكانها مِن تردي الخدمات الصحية.

*رغم العقبات، ما الذِي تم انجازه؟
تمكن أعضاء المُبادرة مُستعينين بالجُهد الشعبي الذي حسبما ذكروا كان الركيزة التي إتكاؤوا عليها، ومِن ثْم بالتبرعات ومساهمات بعض الجهات ومنها الشركة السُودانية للمعادن والتي تبرعت بمبلغ (٣٠) ألف، وهُناك أيضاً مُساهمة مُقدرة من عمر عُشاري الذي تمكن عبر نداء بثه بصفحته الشخصية على (فيسبوك) من جمع مبالغ مالية أحدثت فارقاً كبيراً في عمليات التأهيل.
وبناءً عليه تمت صِيانة ومُراجعة الكهرباء داخل المركز وخارجه واصلاح “المكيفات”، طلاء المبنى بأكمله، صيانة أعمال السِباكة وتركيب “صهريج” مياه جديد، تشجير المركز إذ تبرعت سيدة خبيرة في مجال الزراعة بشتول، ونظافته ومراجعة الأبواب، رسم الجداريات وتجهيز العديد من اللافتات.لافتين إلى أن المبادرة في وقت لاحق ستقوم بنشر خطاب متكامل للتبرعات التي وصلت والمنصرفات مدعوم بالفواتير وما تبقى من عمل وقيمة الحوجة المطلوبة، علماً بأنه يتم الآن نشر كل التبرعات وتقارير العمل اليومية في قروبات الحي.

*وماذا عن الذي لم يُنجز؟
يضم المركز وفقاً لما أكدته المُبادرة عدداً من الأقسام، ومنها طبيب عمومي وطبيب أسرة، وقسم أسنان وتطعيم وصيدلية وغرفة للعمليات الصغيرة، وعنبرين، وكُل ماذُكر يحتاج للصيانة. ويفتقر لأخصائي عيون بعد أنّ ترك الطبيب عمله والعمل جاري مع وزارة الصحة لإستعادة القسم لأهميته، كما يحتاج لمعمل مُتكامل وتوفير جهاز أشعة أسنان، وجهاز موجات صوتية ودعم الاحتياجات المُتعلقة بالمباني ومِن ثمة تمديد ساعات العمل فِي الفترة المسائية. ينصب إهتمام المُبادرة الآن فِي تطوير المعمل الذي تنقصه العديد من الأجهزة المُهمة، كما أنّه تجري العديد مِن المشاورات مع بعض الأخصائين بالحي للعمل في المركز مساءً بأسعار رمزية بعد مُوافقة وزارة الصحة. كما تسعى المبادرة للضغط على الوزارة لتنفيذ التزامها لسد النواقص بالمركز وإضافة الدوام المسائي.

* خارطة طريق
والدة الشهيد قصي حمدتو السيدة (إيمان) أبان زيارتها للمركز الذِي يحمل إسم أبنها بحي جبرة جنوب مربع (١٤) رسمت بمقولة واحدة ما يُشبه “خارطة طريق”فقالت مُخاطبة أعضاء المبادرة : أنا مادايره مركز صحي يليق باسم ولدي الشهيد، أنا دايرة مركز صحي يخدم الناس في جبرة بطريقة كريمة تليق بيهم. الزيارة التي تخللتها مُناقشات عِدة عن الثورة وتحديات الفترة الانتقالية والمركز الصحي وما يُمكن أنّ يُقدمه من خدمات كانت بمثابة (الدينمو) الذي حرك الشباب للمزيد من العمل.

* الشهداء يرحلون جسدًا ويَحْيَوْنَ فكرًا
تبعث المبادرة (كرت دعوة) عنوانه العريض قيم الثورة المتمثلة في البناء والتعمير موجه للمواطنين والفاعلين في المجتمع المحلي المشاركة في هذا الفعل الجماعي والمساهمة في الدعم المادي والمعنوي ما أمكن. يقول الأقرع: حين نقوم بذلك نعتقد أن تخليد أبطال الثورة هو إبقاء لجذوتها، فضلاً بأن الاهتمام بقضايا الصحة من أهم اولويات التغيير. علماً بأن الافتتاح المقترح للمركز بشكله الجديد سيكون في تمام العاشرة صباح اليوم بتشريف منظمة أسر شهداء ثورة ديسمبر المجيدة.

سلمى عبدالعزيز

صحيفة الجريدة

اترك رد