رأي

زهير السراج يكتب: عودة نيابة البطش والقمع !

* اصدر النائب العام الانتقالي مولانا (تاج السر الحبر) أمر تأسيس بتاريخ التاسع عشر من شهر ابريل الماضي بإنشاء نيابة خاصة للجرائم الموجهة ضد الدولة ومكافحة الإرهاب، لم يظهر للعلن الا خلال اليومين الماضيين، ولا ادرى إن كان ذلك متعمدا أم لا لما يمكن أن يثيره هذا الأمر من ضجة كبيرة بسبب السمعة السيئة لهذه النيابة التي كانت بمثابة اليد الباطشة للنظام البائد ضد معارضيه، وارتكبت الكثير من الجرائم والانتهاكات التي يعاقب عليها القانون بأشد العقوبات ويجرمها القانون الدولي باعتبارها جرائم ضد الانسانية، ولقد كنت أحد ضحاياها حيث تعرضت للاستدعاء والابقاء ساعات طويلة والحبس والاعتقال بسبب مقالاتي الصحفية بدون ارتكاب أي فعل يعاقب عليه القانون!
* وتعرضتُ في احدى المرات اثناء اعتقالي وانا نائم في مبنى النيابة بالخرطوم اثنين حوالى الساعة الثانية صباحا للضرب المبرح والاعتداء البدني باللكم والركل بالبوت في كل انحاء جسمي من أحد معتادي الإجرام التابعين لجهاز الأمن حتى اغمى على، ولم ينقذني من الموت الا عناية الله وتدخل احد جنود الشرطة الذى حملني خارج غرفة الاعتقال ووضعني على كرسي جلوس وسقاني بعض الماء، بينما كان المعتدى يرغى ويزبد ويشتم بأسوأ الألفاظ أقلها كلمة (كافر)!
* كما تم تهديدي من نفس الشخص بالقتل ودفني بدون ان يعلم احد مكاني بعد عدة ايام من الحادثة، وكان ذلك في مكتب وكيل النيابة وفى حضوره بعد ان تسرب للرأي العام نبأ الاعتداء على فاصدر عدد من الزملاء الصحفيين بيانا نددوا فيه بالواقعة وهددوا بالإضراب، وادانه الصادق المهدى في خطبة عيد الفطر وزارني عند الافراج عنى في منزلي مواسياً ومؤازرا، بالإضافة الى عدد كبير من السياسيين والصحفيين!
* لن تصدقوا إذا ذكرتُ لكم أن الاعتداء الذى وقع علىَّ كان بتعليمات من وكيل النيابة نفسه (رجل القانون او هكذا يفترض ان يكون) الذى استاء من ردى عليه له أمام جمهرة من المعتقلين والعساكر عندما وجدني أتوضأ لأداء صلاة العصر وكنا قد تصادفنا امام مكان الوضوء (الوضاية) فسألني ماذا أفعل فأجبته بأنني أتوضأ، فسخر منى قائلا (انت العرَّفك بالدين والصلاة شنو)، فأجبته (لو في زول ما بيعرف الدين والصلاة هو انت موش أنا، لانو البتعمل فيو ده ما بيعملو زول بيعرف الدين والصلاة)، فانفعل واصدر على الفور أمرا بوضع القيود على يدى وإلقائي في زنزانة ضيقة بدون ان يسمح لي بالصلاة، وهددني قائلا (ح أدبك)، وبالليل تم الاعتداء على بواسطة متعهد الجرائم التابع لجهاز الامن، وتهديدي بعد عدة ايام بالقتل (ونغطسك في حتة ما في مخلوق يعرفك وين)!!
* لم أكن بالطبع الوحيد الذى تعرض من النيابة لذلك النوع من المعاملة، وانما كثيرون جدا، أذكر من بينهم الدكتور (مضوي ابراهيم) استاذ الهندسة بجامعة الخرطوم الذى كثيرا ما كنت أصادفه في مبنى النيابة عند اعتقالي أو استدعائي وإحضاره من سجن كوبر للتحقيق، ولم يكن احد يحقق معه وانما كان يترك ساعات طويلة في مقر النيابة كنوع من الذلة والمهانة والتخويف، ثم اعادته الى السجن واحضاره مرة أخرى، وظل ذلك يتكرر طيلة الفترات الطويلة التي كان يتعرض فيها للاعتقال !
* عندما سقط النظام البائد كان إلغاء تلك النيابة التي تغير اسمها من نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة الى نيابة امن الدولة، من اولى القرارات التي صدرت من السلطة الجديدة باعتبارها من اسوأ مظاهر النظام البائد، ولكن ها هو النائب العام الانتقالي يعيدها من جديد، بل يوكل إليها سلطات إضافية بالتحقيق والتحري والاشراف على التحري في بعض الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي لعام 1991 تتعلق بالحريات العامة، وهو أمر من الغريب ان يصدر من سلطة انتقالية مسنودة بثورة شعبية كان شعارها الرئيسي حرية سلام وعدالة، ومن اوجب واجباتها ومهامها تمهيد الاجواء لمجتمع ديمقراطي بتنقية القوانين من المواد القمعية سيئة السمعة، وليس تأسيس نيابة تقنن وترسخ وجودها وتصادر حقوق وحريات الناس!

 

 

 

 

 

صحيفة الجريدة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى