تحقيقات وتقارير

شهادات لناجين من مجزرة فض الاعتصام

 

كان اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة حدثاً استثنائياً، تشكلت خلال فترته القصيرة الرؤية التي اجتمع حولها جموع كبيرة من الشعب السوداني، فمنذ السادس من ابريل، وحتى الثالث من يونيو، أي خلال شهرين من الاعتصام والصمود، تولدت وتخلقت لجان الأحياء والمقاومة من رحمها، وتشكل الوعي الثوري الذي تترجم في شعارات تطالب بالمدنية وبالحرية والسلام والعدالة، كانت ساحة القيادة وطناً وحلما كاد أن يتحقق، لولا أن تدخلت أيادي الغدر وسارقي الأحلام في الثالث من يونيو، والذي يوافق التاسع والعشرين من شهر رمضان المعظم، فكانت ليلة الغدر بدلاً عن ليلة القدر التي تتراءى في الفق، ومهر الثوار بدمائهم الغالية ثورة ما تزال تتطلع إلى تحقيق أهدافها بعد أن أسقطت الديكتاتور وزمرته، وكانت أجساد الشباب متاريس قوية ومتينة أمام تقدم وانفراد العسكر بالحكم وسرقة الثورة.

“الجريدة” في ذكرى الثالث من يونيو استنطقت الناجين من الموت، جرحى ومصابي مجزرة الاعتصام، التقت بالمصاب مؤمن أحمد عباس، وهو أحد مسؤولي اللجنة الاعلامية للاعتصام، أصيب ثلاثة مرات أثناء توثيقه بثاً مباشراً للمجزرة، وكذلك استنطقنا الناشط الاعلامي مهند محمد، وأحد الناجين بأعجوبة من موت محقق، واستنطقنا أيضاً الفنان الشاب والاعلامي مجاهد يوسف الشهيد بمجاهد دي آندريه، وهو أحد رموز ومصابي الثورة، غنى لها، وحلم بواقع أفضل، وما يزال ثائراً حتى يتحقق الحلم الكبير الذي سالت دماءه هو ورفاقه من أجله.

ويظل أكبر إنجاز للثورة حتى الآن وفقاً لرؤية مؤمن عباس، سقوط البشير وزمرته، وإيقاف مشروع عودة العسكر للحكم، والتشبيك الذي حدث بين لجان المقاومة المختلفة والتي ما تزال تواصل المسير، وتقف على أهبة الاستعداد للتصدي لأي إنحراف في مسار الثورة، وما يزال مؤمن يؤكد أن عليهم كثوار أن يعملوا أن لا يعود البشير وزمرته باي وجه جديد، وأن يجتهدوا في توحيد الناس لخلق واقع أفضل.
ابتدر مؤمن أحمد عباس وهو أحد مسؤولي اللجنة الاعلامية للاعتصام حديثه لـ”الجريدة” بأن لديهم معلومات متداولة بشأن فض الاعتصام، وأنهم لاحظوا حركة غير طبيعية، تؤكد المعلومات المتداولة، لكن يقول مؤمن أن ما جعلهم لا يصدقون هذا الأمر مباشرة أن هذه الإشاعات عن فض الاعتصام متكررة وليست أول مرة، وكانوا عادة عند ورود مثل هذه الأخبار يقومون بتعلية التروس وزيادة عدد الشباب الذين يحرسونها، بالاضافة إلى قفل المداخل بصورة جيدة، وبعدها يقول مؤمن أن الحركة زادت، وكان عدد الحشد العسكري ضخم بصورة أكبر من الأيام الأولى التي شهدت محاولات لفض الاعتصام، وكان الجيش تقريباً غير موجود، قيل أنهم أخذوا إجازة للعيد، والعدد الموجود قليل جداً، ويزيد مؤمن بأن الضباط والعساكر الذين كانوا يتعاملون معهم ويعرفونهم غير موجودين، استبدلوهم بعناصر جديدة، وحتى أفراد الشرطة العسكرية والاستخبارات الذين يعملون في نقاط الارتكاز في ميدان الاعتصام بالتنسيق مع لجنة الميدان لضبط الجيش وتسليمهم السارقين والمتفلتين، لم يكونوا موجودون هناك.
ويرى مؤمن عباس أن الذين فضوا الاعتصام فضلوا أن يبدأ الهجوم آخر الليل وبداية الصباح، حتى يسهل دخولهم وانتشارهم داخل ساحة الاعتصام، ويضيف بأنهم لو جاؤوا مبكراً لما استطاعوا ذلك، حيث العدد أكبر والتصوير سيكون أوضح، ويؤكد مؤمن أن الأدوار كانت موزعة بين القوات، فريق منهم كان قناصة يقتل وآخر يحرق وبعضهم ينهب والبعض يغتصب، ومنهم من يستهدف النشطاء الاعلاميين.
كان الهجوم من كل الاتجاهات، الأمر الذي أربك لجنة العمل الميداني، حيث قاموا بتعلية التروس، وأول ما جاءت البكاسي البيضاء، دخل عدد كبير منها بالشارع القريب من القيادة، وكانت هذه أول خطوة لفصل ساحة الاعتصام عن القيادة العامة للجيش وبالتالي ضربه وفضه كما أرادت هذه القوات.
يقول مؤمن أنهم اتفقوا سابقاً مع الجيش بأن تكون هناك أماكن محددة لقوات الدعم السريع، من البرية وغرباً إلى خارج الاعتصام، وأن الثوار سيقومون بتتريس كل الشوارع، عدا شارع الجيش بطلب من الجيش، بشرط أن لا يأتي من هذا الشارع من يعتدي على الاعتصام، وفي حال حاول أحد ذلك، على الجيش أن يتصدى له ويحمي الاعتصام من هذه الناحية، وبرر الجيش حسب حديث مؤمن عدم قفل هذا الشارع بأنهم يستخدمونه في إدخال الأكل والشرب ودخول كبار القيادات، ووافقت لجنة الميدان على ترك هذا الشارع مفتوحاً أمام حركة السيارات التابعة للجيش، بعد التزامهم بعد السماح للشرطة ولا لقوات جهاز الأمن العبور بهذا الشارع، لكن ما حدث أن هناك سيارات تتبع للجيش عبرت بهذا الشارع وعلى متنها أفراد بزي الشرطة، وكانت لوحتها ظاهرة، بإلاضافة إلى البكاسي التي ايضاً يمتطيها أفراد بزي الشرطة، في هذه اللحظة أيقن الشباب في لجنة العمل الميداني والاعلامي أن الهجوم سوف يبدأ، لأنه في العادة لا يستغل أفراد الشرطة عربات الجيش، واصبح الأمر مقلقاً للشباب المرابطين في نقاط الارتكاز.
لجان الرصد التابعة للجنة الميدان والتي تتحرك بمواتر خارج الاعتصام، رصدت تحرك قوات كبيرة من المدينة الرياضية لجامعة السودان بالجناح الجنوبي، وكذلك تحرك قوات كبيرة من الجرافة بأم درمان، من معسكر جهاز الأمن والمخابرات الوطني، ومن الساحة الخضراء، وتحركت قوات الدعم السريع نحو القيادة، و بدأ اطلاق النار من كل الاتجاهات، وسقط الشهداء في المتاريس، وكان المتاريس تحاول صد الهجوم لكن الموت يتزايد في صفوف الثوار، كلما سقط شهيد يأخذه رفاقه إلى مكان للإسعاف، سقط آخر، ولم تستطع القوات من دخول الاعتصام بسرعة، وتحت تهديد السلاح والموت، أجبرت القوات بعض الشباب على مساعدتها لفتح الطرقات لدخول ساحة الاعتصام، وهناك من دخلوا راجلين لصعوبة دخول السيارات بسبب المتاريس.
لقد أدت القوات التي وقفت بين الثوار والقيادة دورها، وكانت هناك قوات تتبع للدعم السريع في بوابات القيادة، وكذلك انتشرت قوات الدعم السريع داخل القيادة وعلى حافة السور، كلما حاول أحد الثوار الدخول ضربوه حتى لا يقترب أحد، وبعد أن بدأ ضرب النار اقتربت السيارات من بعضها البعض، ولم تترك فاصل بينها يمكن أن يدخل منه الثوار، وفي الاتجاهات الأخرى نزلت القوات ومشوا على أرجلهم نحو الاعتصام، ودخل عدد كبير من قوات الدعم السريع من ناحية شارع النيل، مسلحين بالسياط والكلاشات، ويؤكد مؤمن عباس أن هناك قناصة رآهم بعينه، يطلقون الرصاص على النشطاء.
ويواصل مؤمن روايته لـ”الجريدة” بأنهم عندما كانوا أمام القوات الجوية وضرب النار متواصل، تحركوا نحو شارع النيل، وعبرت في تلك اللحظة القوة النظامية كبري الحديد قرب الميدان الشرقي جامعة الخرطوم، وكان الثوار يقاومون بالحجارة، وبدأوا ضرب النار بصورة كثيفة أكثر من المعتاد، وتساقط الشهداء من أعلى النفق، وعندما وصلت القوات النفق، فوق السكة حديد، أصبحت ساحة الاعتصام مكشوف بالنسبة لهم، واصابوا عدد كبير من الثوار، خاصة من كان يصور ويوثق عبر الكاميرات، يقول مؤمن أن راني فرح أحد النشطاء الاعلاميين اصيب وهو يصور، بالاضافة إلى مؤمن نفسه، أصيب في ثلاثة محاولات فاشلة لقتله، عندما كان يصور أصيب في يده تحت النفق برايش، وبعد أن طلعوا الكبرى جاءته الاصابة الثانية واستقرت في طلقة في الركبة، وحاول قناص إصابته في الراس، لكن لم تصبه مباشرة واصابه رايش في الراس.
يحكي مؤمن لـ “الجريدة” : ” كنت أصور لايف وكل هذه الاصابات موثقة في الفيديو المباشر، وثبتنا لآخر لحظة، ووصلنا أمام البحرية وكان التصوير مستمر بصورة سرية، حاول أحدهم ضربي بعصاية ووقعت وأغمي علي، وكان هناك دكاترة من الثوار يسعفون الناس، لم أوافق أن أذهب للمستشفى، كنت عايز أعرف واوثق أكثر، وكنا كل مرة نقول أن الجيش سوف يطلع، وكان الجيش سابقاً يتأخر، لكنه كان يخرج ويحسم الاعتداءات السابقة، انتظرنا الجيش ولم يخرج أحد، استشهد عدد كبير وأصيب عدد أكبر، وكل ترس استشهد فيه عدد كبير من الثوار، كنا واثقين أن السلمية ستنتصر، وأننا لو مات منا مليون وعاش بقية الشعب في عزة وكرامة، سنكون راضين بذلك “.
ويرى مؤمن أن هناك تواطؤً من الجيش والشرطة والأمن، بالاضافة إلى المتهم الرئيسي، الدعم السريع، صاحب العدد الأكبر، كان بالنسبة إليهم أن التآمر واضحاً واشتركت فيه كل القوات النظامية، لكنه أكد أن الدعم السريع كان يشكل أغلبية في هذه القوات، وهذا ما أظهرته الفيديوهات الموثقة، ويرى مؤمن أن الحقيقة بشأن الدعم السريع يجب أن تظهرها اللجنة التي تحقق الآن في الجريمة، ويضيف أن هناك أفراد من جنود الجيش يبكون، لأنهم غير قادرين على مساعدتنا، وعلى مرآءهم ومسمعهم، كانت قوات الدعم السريع تضرب فينا حتى وصلنا صينية بري، ودخلنا دار الشرطة، وخرجت وذهبت الى بري مع أحد الأطباء حاول إسعافي واستخراج الطلقة، ونجح في استخراج الطلقة من الركبة، وجاءني ناس وساقوني، كانت كل الطرقات مترسة، والثوار فتحوا لنا الشوارع في كل نقطة، عندما علموا أنني أحد مصابي القيادة”.
يختم مؤمن حديثه بالقول: ” نحن في انتظار تحقيق العدالة بالرغم من أن الموضوع تأخر كثيراً، ولا أدرى إن كان وراء التأجيل أسباب سياسية أم بانتظار تكوين المجلس التشريعي، وعلى أي حال، نستنكر هذا التأخير، ويجب الاسراع في تحقيق العدالة، خاصة وأن الذين استشهدوا أكثر من 500 شهيد ، ومن لحقوا بهم بسبب الاصابة يصل عدد الشهداء إلى الف، ويؤكد مؤمن أنه شاهد بعينيه أكثر من الرقم المعلن حالياً، هذا بالاضافة إلى المفقودين، وينتهي مؤمن بالقول : “خرجنا باصابات بالغة، نفسياً وجسدياً، وما زلنا مع الثورة والتغيير، وموقفنا أن لا يحكم العسكر ولا الكيزان، ولجان المقاومة عليها تعويل كبير ونتمنى أن تعبر الثورة وتكون نموذج يحتذى به في العالم، ونتوحد ونعبر بالبلد إلى مصاف الدول الكبرى.

    حافظ كبير

صحيفة الجريدة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى