رأي

عبداللطيف البوني يكتب: حمدوك يزيح ستارة

(1)

من الإفرازات الإيجابية لثورة الاتصالات الحديثة المتمثلة في وسائط التواصل الاجتماعي هو ظهور المجموعات (القروبات) حيث تجمع الواحد بأناس متباعدين وتجعلهم يديرون حواراتهم كما يشاءون، ففي واحد من هذه القروبات التي أنتمي إليها تعودنا على المفاكرة والمؤانسة في كافة الشئون من جورج فلويد إلى مريسة تامزينو بكل أريحية ودون أي كابح، ففي ذات مسامرة أشار أحد أعضاء القروب

الى قصيدة المتنبئ الشهيرة التي يقول مطلعها ( ما أنصف القوم ضبة / وأمه

الطرطبة )، وهي قصيدة لمن لم يطلع عليها تعج بالمفردات التي يمكن تسميتها

فاحشة ولما كنت اطلعت على هذه القصيدة قبل عشرات السنين أردت تذكرها كاملة، فطلبت من الصديق الذي ذكرها أن ينزلها لنا كاملة في القروب فوافق ولكن قبل أن يفعل انبرت كثير من الأصوات في المجموعة تطالب بعدم إنزالها فوافق العضو على ذلك على أن يرسلها لي في الخاص ولكن المفارقة ان ذات الأعضاء لا بل والعضوات الذين رفضوا إنزالها دخلوا في نقاش في غاية الرقي حول القصيدة وهل قائلها هو المتنبئ ؟ أم دست عليه؟ ولماذا كان بحرها مختلف عن بحور شعر المتنبئ ؟ فالواضح أنهم لم يكونوا مطلعين عليها فحسب بل حافظنها حفظ .

وعندما وصلتني القصيدة أرسلتها في الخاص لبعض الأعضاء الذين شعرت بأنهم تشوقوا إليها فتقبلوها شاكرين . الذي أود ان أقوله انه قد ثبت لي انه ليست هناك أي مشكلة لدى الجميع ان تكون القصيدة موجودة في بريدهم الخاص مثلما هي موجودة في ديوان المتنبئ، ولكن ان تكون في صفحة المجموعة فهذا المرفوض وهنا

يثور السؤال ماذا نسمي هذا؟ ولماذا هذه المساحة الفاصلة بين العام والخاص؟

ولماذا تختلف الكيمياء الجماعية عن مكوناتها الفردية ؟ أليس في هذا مشكلة؟

(2)

مناسبة هذه الرمية الطويلة وهي موضوع قائم بذاته هي أنني اطلعت على تغطية وافية وممتازة كتبها الأستاذ أشرف عبد العزيز بصحيفة (الجريدة) الغراء للقاء السيد رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك مع بعض رؤساء تحرير الصحف، مساء يوم الخميس الماضي بمنزله بضاحية كافوري والذين كا ن أشرف من ضمنهم، فمن أطرف ما جاء في هذه التغطية وفي معرض الحديث عن الخلافات بين حكومة حمدوك وحاضنتها السياسية المتمثلة في الحرية والتغيير حول السياسات الاقتصادية، إذ كشف سيادته للحضور أنه عند جلوسه مع مكونات الحرية والتغيير بشكل منفرد يجد أن مواقفها متسقة مع موقف الحكومة، ولكن عندما

يجلس الجميع على طاولة واحدة تتباين المواقف بين الحكومة وقوى الحرية

والتغيير، حيث تصطف هذه الأخيرة حول موقفها الرافض لسياسات الحكومة (انتهى).

أها ياجماعة الخير تاني جينا للتباين في الكيمياء الجماعية عن مكوناتها الفردية وإن شئت قل ازدواجية المواقف في الأمر الواحد أكان ذلك الأمر سياسيا كما حكى حمدوك أو حتى أدبيا كما ذكرنا في الفقرة الأولى، فهل هذه البضاعة (المزجاة) سودانية بحتة أم أنها موجودة في كل الدنيا ؟ وهل هي مرض في نفسها أم عرض لمرض ؟ هل فيها شيء من المنافقة أم انها شكل من أشكال المزايدة ؟ أم ان الأمر طبيعي وما في مشكلة وياها حال البشرية وما في داعي نحرق رزنا ساكت ؟

(3)

قبلما أجيكم من الآخر خلوني أتوسل بزيدان إبراهيم عندما غنى في واحدة من روائعه قائلاً (خليك واضح يا جميل…). ففي تقديري أن الوضوح ذيو ما في وبلغة حديثة خلونا نقول الشفافية فهذه الشفافية هي مطلب الساعة مش قلنا انتهى زمن الغتغتة والدسدسة ؟ فيا جماعة الخير والله ما أضر هذه البلاد إلا هذا التذبذب والتناقض وعدم الوضوح وعدم الاتساق في المواقف، وهذا يبدأ علاجه بالفرد، فإذا لم نتخلص نحن كأفراد من ازدواجية المواقف فلن يتخلص منها المجتمع، ولكن الذي

يهمنا هنا أكثر هو ما حكاه حمدوك وان شئت قل ما كشفه حمدوك عن العلاقة

المضطربة بين الحكومة وحاضنتها وهذا ليس له تفسير إلا ان مكونات الحاضنة تقدم المصلحة الحزبية الضيقة على المصلحة العامة وأخشى ما أخشاه أن تكون مصلحة ذاتية دون الحزبية، ثانياً هذه المكونات تزاود على بعضها وفي هذا عبث بمقدرات الشعب وهذا لا يليق بأحزاب حاكمة . أيها السادة هذا الوطن لم يعد فيه هامش للمناورات، وقد وصل الحافة فانتبهوا ثم انتبهوا.

 

 

 

 

 

 

 

صحيفة السوداني

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى