رأي

طة النعمان يكتب: العلمانية “خشم بيوت”..!

* تزدحم مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأيام – و مع قفلة الكورونا هذه – بضجيج صخّاب حول قضايا نظرية من قبيل الدولة الدينية في مقابل العلمانية، و أيهما أنسب للإجابة على سؤال : كيف يحكم السودان؟
* أشعل هذا الجدل الأخبار و التصريحات الصادرة من جانب “الحركة الشعبية/شمال” بقيادة عبد العزيز الحلو، والتي رهنت انخراطها في عملية السلام الجارية الآن في جوبا، بموافقة الفرقاء على “علمانية الدولة” ، كمبدأ “فوق دستوري” يقر به أطراف التفاوض، كمدخل لإنجاز السلام و لتأسيس وطن حر و ديمقراطي و مستوعب لجميع أبنائه بغض النظر عن عرقهم أو جهتهم أو ثقافتهم أو دينهم أو نسبتهم العددية .. باعتبار أن الديمقراطية في جوهرها هي تلك التي ترعى حقوق الأقليات قبل حق الأغلبية، المضمون أصلاً بالتفوق العددي وصناديق الاقتراع.
* نظرية “المباديء فوق الدستورية” هذه راجت في الأدبيات السياسية المعاصرة كوصفة لازمة وناجعة لأمراض الدول الحديثة الإستقلال وتعاني من النازعات العرقية والجهوية والعقائدية.. ومن الصعب على المتفاوضين في جوبا تخطي هذا المأزق دون إجابات ذكية ومرنة
.. لأن البديل الذي يطرحه الحلو، و الأرجح انه مدعوم في ذلك بعبد الواحد محمد نور وحركة تحرير السودان، هو اللجوء الى “حق تقرير المصير” ، الذي قد يقود إلى ذات “محطة الفراق” التي أقرتها اتفاقية نيفاشا و قادت لانفصال الجنوب . والرجلان والحركتان يمثلان أقوى فصيلين على الأرض في دارفور وجبال النوبة.
* فإذا لم يوفق المتفاوضون إلى إبداع صيغة مقبولة و مقنعة لجميع الأطراف، فذلك يعني فشل عملية السلام، بكل ما يعنيه السلام في راهن البلاد، كمنصة انطلاق لنجاح الفترة الانتقالية و لبلوغ ثورة ديسمبر أهدافها و غاياتها المعلنة من أجل صناعة السودان جديد مستقر و و نام و متقدم.
* ضمن هذا الجدل الإسفيري المشتعل وقعت على دعوة لأحد المنادين بالدولة الدينية – ضمن الدعاية المعتادة للثورة المضادة- التي تجعل من الدين مدخلاً فعالاً لمخاطبة عواطف الناس لخدمة أهدافها السياسية، بغض النظر عن مرتبات ذلك على وحدة الوطن ومصائر الناس..ألفيته يدعو من أسماهم “العلمانيين” – هكذا على الإطلاق – لمناظرة فكرية حول القضية.. فوجدتني دونما ترتيب مسبق أعلق على تلك الدعوة- المنشورة على موقع أحد أبنائي النابهين- بالتالي :
* صاحبك هذا، ينطلق من افتراض خاطئ ابتداءً.. ذلك الافتراض الذي يماهي بين العلمانية و الكفر أو رفض الدين، أو يفصل فصلاً جزافياً بين الدين والدولة.. فلا يوجد مفهوم واحد متفق عليه لتعريف العلمانية، لأنه أصلاً لا توجد علمانية صمدية واحدة.. بل المدقق يكتشف أن هناك أكثر من مفهوم للعلمانية.. يعني العلمانية علمانيات “خشم بيوت”.. تختلف في نظرتها للدين و دوره في الحياة والدولة.
* فالعلمانية التي يجمع عليها السودانيون، ليست علمانية أتاتورك ولا بعض العلمانية الأوروبية الملحدة.. بل هي العلمانية التي ترى للدين دوره في الحياة والدولة وتدافع عن حرية التدين، باعتبار الدولة كيان فوق الحكومات، يشمل الأرض والشعب بمختلف عقائده و عاداته التي يجب أن تنال الاحترام بما ينطوي عليه التدين- بأي دين كان – من قيم فاضلة و ضرورية للسلم الاجتماعي ، كالأمانة و الاستقامة و التراحم و نبذ الاجرام..(مقررات أسمرا حول القضايا المصيرية باجماع القوى السياسية السودانية في مواجهة الانقاذ نموذجاً).
* و يقتصر هذا النوع من العلمانية على ضرورة بناء دولة ديمقراطية حديثة أساسها المواطنة والعدل والمساواة أمام القانون، وأيضاً على رفض المزج بين “الدين والسياسة” بمعنى التوسل للكسب السياسي باستغلال الدين كأداة للدعاية واحتكار الوصاية عليه فيفسد الدين بالسياسة وتفسد السياسة بالدين، و الخاسر في هذه الحالة هو الوطن و انسانه باستلاب حريته واغتصاب موارده و تهديد استقراره بالفتن التي يثيرها التزمت والإرهاب..
وهذا ما ركزت عليه مقررات أسمرا التي أمضاها و اعتمدها التجمع الوطني الديمقراطي الذي ضم كل ألوان الطيف السياسي السوداني من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، بما في ذلك ممثلو الإقليم الجنوبي.
* و كما أن العلمانية علمانيات ففهم الدين و “تفسيره البشرى” أيضاً مختلف و متباين بين الفرق الدينية و الفقهاء والشراح.. أعود وأقول ان أي مناظرة تقوم على افتراض التعارض “السرمدي ” بين العلمانية – باعتبارها كتلة واحدة صماء – و بين الدين.. غير جديرة بالاهتمام لأنها تفتقر لسبر أغوار الأشياء من جميع وجوهها، و هذه في حد ذاتها غفلة من جانب المتعصبين المنغلقين في الجانبين “.. والغافل من ظن الأشياء هي الأشياء” على قول شاعرنا الفخم الفيتوري رحمه الله..هذه خاطرة تنبيهية أملتها”الإقامة الجبرية الكرونية” وليست بقصد المشاركة في مناظرة لا أراها ضرورية.. فهناك الكثير و الأهم الذي ينتظر الوطن ويستدعي التدبر وإعمال العقول..فجراح “الانقاذ” لازالت مفتوحة و بيوت مآتمه الكثر لا زالت تستقبل المعزين .. و كله باسم “الدين والشريعة” للأسف.

 

 

 

 

 

صحيفة أخر لحظة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى