رأي

عبداللطيف البوني يكتب:الموت الجاب الناس

(1)

راحلنا وحبيبنا وكاتبنا وشاعرنا سعد الدين إبراهيم أنزل الله شآبيب الرحمة على قبره صاحب (عن حبيبتي بقولكم لونها سمرته منكم ) وصاحب (العزيزة المابتسأل عن ظروفنا ) وغيرهما من الدرر وصاحب الكتابات الصحفية الماتعة (النشوف آخرتا ) وصاحب الأعمال الدرامية الكبيرة (حكاية من حلتنا) كتب ذات عيد مناشدا

لا بل مستحلفا كل الصحفيين بأن لا يبدأوا كتاباتهم عن العيد ببيت المتنبئ الشهير (عيد بأي حال عدت ياعيد / بما مضى أم لأمر فيك تجديد ) وبرر سعد مناشدته بالقول إن المتنبئ عندما كتب ذلك البيت في تلك القصيدة كان يمر بظرف استثنائي فقد كان هاربا ومطاردا بينه وبين الأهل بيداء دونها بيد فمن غير المعقول ان يأتي آخر وفي عيد من أعياد هذا الزمن وهو يتوسط أهله وفمه مليء بالحلوى وأمامه صحن الكيك ويشاهد في التلفاز و(الكنينة) تتحاوم حوله بملابسها الجديدة ثم يتمثل

قول المتنبئ (عيد ..) ؟

(2)

في ظني أن الراحل المرحوم سعد الدين لو كان معنا في العيد الأخير لكان قد فعل العكس تماما وناشد الجميع بان يستهلوا كتاباتهم عن العيد بقول المتنبئ (عيد ..) بجامع الوحشة في الحالتين. فالمتنبئ جزاه الله خير (القديمة) اكتشف بعبقريته وتفرده الشعري ان العيد ليس حالة مادية موضوعية بحتة بل هو حالة معنوية ونفسية بدليل انه شعر باختلاف يوم العيد عن بقية الأيام وهو وحيد في صحراء يومها مثل أمسها وامسها مثل غدها ولعل هذا ما حدث للجميع اللهم إلا المتفلتين الماجايبين للدنيا والكورونا

خبر، فالكل كان محجورا في منزله لا صلاة جماعية ولا مقابلة أهل وأصدقاء ولا رؤية أطفال يلعبون بالألعاب النارية ولا خروج على الجيران ولا دخول منهم . لقد حاولت ربات البيوت صناعة طقس عيدي داخل المنازل بالنظافة لدرجة المبالغة وإعادة ترتيب الأثاث وتغيير الملايات والستائر وعرض الحلويات والخبائز وتكثيف البخور اما في أنفسهن فقد حاولن تلميع (الشاسي) – في الحتة دي الشرح الكثير بودي التونج- ولكن في النهاية ونتيجة لسيطرة المناخ الجديد تحول العرض الى مسرحية جنائزية لانعدام الركن المعنوي وهو الشعور بفرحة العيد والدليل على ذلك ان الفضائيات السودانية حاولت ان تقدم عيديتها بنفس الطريقة القديمة (مذيعة متحذلقة ومغني مقلد وضيف مستجد ) فجاءت كل برامجها باهتة لذلك يحق للجميع الغناء بصوت المتنبئ (عيد ..).

(3)

في أيام العيد التي انصرمت تابعنا مثل غيرنا أخبار الموت الكوروني في كل الدنيا فوجدنا البرازيل تقدمت ودخلت المربع الذهبي لا بل أصبحت الثانية بعد الولايات المتحدة من حيث عدد الموتى طبعا الولايات المتحدة دخلت المائة الف الثانية . البرازيل التي كانت تأتينا منها متعة كرة القدم والسامبا والبن والرئيس الرائع دي سلفا أصبحت تأتينا منها أخبار الموت . السويد الدولة الراقية وصاحبة أعلى معدل أمان اجتماعي في العالم استخفت بالأمر ورفضت إقامة اي نوع من أنواع الحظر والإغلاق فانهمر عليها الموت ووراها الطفا النور منو . أما نحن في السودان فأعداد الموتى في العيد الأخير وصل أرقاما غير مسبوقة , كبار السن في الفاشر وأصحاب الأمراض المزمنة في وسط السودان وآخرون افتقدوا الرعاية الصحية

نتيجة لإغلاق المستشفيات طبعا بالإضافة لبعض الذين كان فحص الكورونا لديهم بوستيف اي إيجابي لقد استخدمنا وسائل التواصل الحديثة ليس للتهنئة بالعيد إنما للتعزية في الراحلين الذين مضوا الى ربهم شهداء في أيام هذا الطاعون المستجد هذا . فبدلا من ان كنا نعاتب الأحباب بغناء إسحاق الحلنقي عند ود اللمين (العيد الجاب الناس

لينا ما جابك ) أصبح العتاب (ياخي نحن مقدرين ظروف الناس وقررنا ان ينتهي

العزاء بالدفن لكن ياخي ما ممكن تستكثر علينا رسالة مواساة وأنت عارف انه ما عندنا أعز من الذي رحل؟ )

(4)

اللهم ارحم موتانا وكل موتى البشرية (بالله ما يجي واحد سلفي ويقول لي لا يجوز الدعاء بالرحمة لغير المسلمين) فاللهم ادخل في رحمتك الواسعة كل الموتى واجعل لنا فيما حدث درسا وعظة وعبرة وكف عنا البلاء والوباء . نحن في السودان ونتيجة لظروفنا السياسية والاقتصادية المتردية كنا وكأننا ننتظر ساعة تتفجر فيها الأوضاع ولكن الجرجرة التي جبلنا عليها أخرت تلك الساعة (أمانة يا الجرجة ماليك حوبة ) الى أن جاءت جائحة الكورونا فورتنا الله واحد . وقالت لنا (تحسبوا لعب ؟ ) أهو الموت جاكم وأخد أحسن ما عندكم .موت أطرش . موت أبكم لا يفرق بين الألوان الطبيعية ولا السياسية فأحسن ترعوا بقيدكم وتمسكوا الدرب وتعتبروا موت الكورونا الذي حدث جرس إنذار وتعيدوا كل حساباتكم . غايتو شخصسأكون حزينا جدا اذا ظل السياسيون في سودان ما بعد الكورونا هم نفسهم . ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

 

 

 

 

 

صحيفة السوداني

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى