رأي

زهير السراج يكتب: مارشال السودان !

* في اجتماعه اول امس بعدد من رؤساء التحرير والصحفيين في المنبر الدوريالإعلامي الأول لرئيس الوزراء الذي سيشهد الكثير من التطورات الإيجابية خلال الاسابيع والشهور القادمة بانضمام مجموعة مميزة من الكتاب والصحفيين والمهتمين بالشأن الوطني وتنوع الموضوعات، قطع رئيس الوزراء الدكتور (عبد الله حمدوك) بأن البعثة الأممية التي ستصل السودان خلال الاسابيع القادمة لن تضم عسكريا واحدا، بل سيكون كل أعضائها من الخبراء والاستشاريين المدنيين الذين سيعملون جنبا الى جنب مع رصفائهم السودانيين تحت اشراف الحكومة السودانية لمساعدة السودان في تحقيق اهداف الفترة الانتقالية وعلى رأسها السلام والنهضة الشاملة!
* في الملخص الرائع الذي أتحفنا به رئيس التحرير الزميل (اشرف عبد العزيز) في عدد الأمس من الصحيفة،ان اللقاء لم يكن مؤتمرا صحفيا تقليديا كما جرت العادة، وانما حوار فكرى سياسي عميق امتد قرابة ثلاث ساعات بين النخبة المختارة من الزملاء الصحفيين ورئيس الوزراء وطاقمه الذي ضم رئيس مجلس الوزراء الدكتور عمر مانيس ووزير الاعلام فيصل محمد صالح والمستشار الإعلامي لرئيس الوزراء الزميل فايز السليك والزملاء في المكتب الصحفي لرئيس الوزراء، وجاء فيه على لسان الدكتور حمدوك ان مهمة البعثة الاممية تتلخص في مخاطبة حاجة السودان والعمل على تحقيقها، وضرب مثلا بمتطلبات السلام، قائلا في شرح موجز وبسيط يستطيع ان يفهمه أي شخص: ((إذا وقع السلام فمن المؤكد أن كلفة انفاذ الاتفاقية عالية في ما يتعلق بإعادة الحياة وتسوية ملفات النازحين واللاجئين وتحقيق التنمية المتوازنة وهو ما ستقوم به البعثة الاممية تحت اشراف ومساعدة الحكومة السودانية)، وشبه هذا العمل بـ(مشروع مارشال) لإعادة إعمار أوروبا من الخراب الذى أحدثته بها الحرب العالمية الثانية في الفترة ما بين 1937 و1945 من القرن الماضي، ولقد نجح المشروع بالفعل في زمن وجيز في النهوض اقتصاديا بالقارة الأوروبية من قارة مدمرة تماما بفعل الحرب ومفلسة وغارقة في البطالة والامراض الى مركز للتطور الاقتصادي والاشعاع العلميوالثقافي !
* يعود الفضل في وضع هذا المشروع الذي سمي باسمه الى الجنرال (جورج مارشال) رئيس هيئة أركان الجيش الأمريكي خلال سنوات الحرب العالمية في الفترة بين 1939 – 1945 م، ووزير الخارجية الأمريكي بين عامي 1947 و1949، الذى اعلن في خطاب بتاريخ 5 يونيو 1947 أمام أساتذة وطلاب جامعة هارفارد الأمريكية الشهيرة، عن مشروع لتقديم مساعدات مالية وتقنية لدول غرب أوروبا، بعد أن رفض الاتحاد السوفيتي دخول دول اوروبا الشرقية، للتخلص من الدمار الذي احدثته الحرب العالمية الثانية والنهوض اقتصاديا، وتمت المصادقة على المشروع بواسطة الرئيس الأمريكي آنذاك (هاري ترومان) في الثالث من ابريل عام 1948، والذى تبرعت بموجبه الولايات المتحدة الى منظمة التعاون الاقتصادي الأوروبي التي تكونت آنذاك من ستة عشر دولة لإعادة إعمار أوروبا بمبلغ يزيد عن 17 مليار دولار أمريكي كدفعة أولى بالإضافة الى إرسال وفود من الخبراء والمستشارين في كافة المجالات لتقديم العون الفني لرصفائهم الأوروبيين، وتواصلت المساعدات الى أن استطاعت أوروبا الغربية في غضون عشر سنوات فقط أن تبز الولايات المتحدة نفسها في التطور والنهضة والعلوم في كافة المجالات، وليس هنالك من مؤرخ أو باحث أوروبي يتحدث عن أسباب النهضة الاوروبية إلا ووضع على رأس القائمة مشروع مارشال، وذكر ذلك القائد العسكريوالسياسي المحنك إلا بكل خير !
* كان ذلك مشروع مارشال الذى ساعد في نهضة وعمران أوروبا، وهنالك مشاريع مماثلة ساهمت بل كانت آلة البناء الأساسية التي حولت دولا من خرابات الى مراكز للنهضة والتطور بعزيمة داخلية وتعاون مع الدول الاخرى مثل اليابان التي لعبت المساعدات والخبرة الأمريكية دورا فاعلا في نهضتها، ورواندا التي كانت ميدانا للحرب الأهلية العنصرية الشرسة واستطاعت بفضل الخطة الطموحة للسلام وترسيخالديمقراطية والوحدة والاستعانة بدول صديقة كفرنسا في ان تصبح أفضل الاقتصادات الافريقية في وقت وجيز !
* كل تلك وغيرها نماذج تدعونا للتفاؤل، ولا شيء يدعونا للتخوف من انتهاك سيادتنا وعودة الاستعمار مرة أخرى بقدوم البعثة الأممية للسودان كما يروج المرجفون والفلول لتحقيق أهداف سياسية رخيصة، وكما قال الدكتور حمدوك في منبره الأول مع الزملاء الصحفيين فإن ما حدث في العراق لن يتكرر في السودان، وإنما هو مارشال آخر ينتظرنا، فمرحبا بمارشال في السودان !

 

 

 

 

 

صحيفة الجريدة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى