مزمل أبو القاسم يكتب : كمال لعَّاب

مزمل أبو القاسم يكتب : كمال لعَّاب


* كانت كرة القدم بين قدمي كمال عبد الوهاب مِطواعةَ كناي جميل المقاطع بين يدي عازفٍ ماهر، يموِّج به الألحان كيفما شاء.. كان نسيجاً وحده في مداعبة المستديرة، يأمرها فتنصاع له وتخضع، ليفعل بها ما يريد.
* في زمانه كانت الجماهير تحتشد بشتى انتماءاتها، لتستمتع بموهبته الفذّة.
* بزع نجمه واستبانت قدراته وذاع صيته قبل أن يرتدي شعار المريخ، وتفرد بكونه أول لاعب سوداني يتم اختياره لتمثيل المنتخب الوطني من الدرجة الثالثة، وتنافست عليه أندية القمة، فاختار الشعار الأحمر حباً وكرامة، بتزكيةٍ من والده الذي انتمى إلى نادي الموردة.
* بدأت مسيرة الأسطورة في خواتيم عقد الستينيات، وفيها تفرد كمال عبد الوهاب بكونه اللاعب الأكثر قدرةً على تعذيب المدافعين وإمتاع المشاهدين، بمراوغاته الفريدة، ومهاراته الاستثنائية، وأهدافه البديعة.
* استبانت موهبته واتضحت قدراته أكثر من لقاءات العملاقين، فهتفت له جماهير المريخ (كمال لعَّاب يا هلالاب)، وتغنت باسمه، حتى أضحى أهزوجةً حلوة المقاطع في أفواه المحبين.
* يقسم صديقي مولانا أزهري وداعة الله غير وجلٍ ولا هياب أن كمال عبد الوهاب في عز مجده كان أفضل لاعب في العالم كله.. يقولها هكذا دون أن يخشى جدالاً أو نقضاً أو اتهاماً بالغلو والمبالغة.
* في عهده حقق المريخ إنجازه الخالد الذي أوردته مجلة الفيفا، عندما فاز بلقب الدوري بلا هزيمة ولا تعادل مرة (الدوري المقفَّل)، ثم كرر الأمر بالفوز به بلا هزيمة وبتعادلٍ واحدٍ مع فريق التحرير، فهتفت لهم جماهير المريخ (بالطول بالعرض مريخنا يهز الأرض).
* لن ينسى أنصار المريخ ممن جايلوا أسطورة كمال المباراة الشهيرة مع فاطيما بطل إفريقيا الوسطى في البطولة الإفريقية، حينما خسر المريخ المباراة الأولى بغياب كمال بثلاثة أهداف نظيفة، وفي مباراة الإياب فعل الأسطورة بمدافعي فاطيما الأفاعيل، وصنع هدفين بديعين، انتهى عليهما الشوط الأول، وبعده رفض الخصوم استكمال المباراة، واتهموا كمال بأنه استخدم السحر لهزيمتهم.
* لم تكن مسيرة كمال مع المنتخب الوطني أقل روعةٍ من مسيرته مع المريخ، إذ لعب له وسجل أروع الأهداف، ومنها هدف التأهل الأشهر لأولمبياد ميونيخ، في الثانية الأخيرة، وبعده ردد هاشم ضيف الله رحمة الله عليه مقولته الشهيرة (الفريق القومي لن يتقدم خطوةً واحدة بغياب كمال عبد الوهاب).
* استمر توهجه حتى بعد أن تقدم به العمر وازداد وزنه، وصنع هدفاً ولا أروع لزميله (زيكو كوستي) في مباراة كأس العودة الشهيرة، التي أعقبت إلغاء قرار الرياضة الجماهيرية الذي ألغى به الرئيس الأسبق جعفر النميري كل مسابقات كرة القدم، وحل كل به الأندية السودانية بما فيها المريخ والهلال.
* لم يبتعد كمال عن عشقه الأحمر بعد الاعتزال، لكن كثيرون هجروا الملاعب بعد أن فقدت فارسها الأمهر، وخلال مسيرته الكروية قيلت فيه العديد من القصائد التي تمجده وتعلي شأنه، كتلك التي اجترحها الشاعر المعروف محمد جيب الله كدكي وقال فيها: (كورة وجسم.. أبدع كمال نِعم العِلم.. ورانا بي خطو الرسم.. تخطيط بدون ورقة وقلم.. ورَّى الجميع كيف الرجم.. خلقوهو أصلاً للرجم.. كمال ده وكتين يستلم.. الشبكة يا ناس تنقسم.. الكورة تملاها وتنطط فيها والقون يتلخم).
* تحول كمال بعد الاعتزال إلى العمل الإداري، وتولى الإشراف على الفريق الأحمر، وعمل عضواً في مجلس إدارة النادي، وعُرف بصرامته وعدم تسامحه مع من لا يخلصون للمريخ.
* صدق من وصف مارس بشهر الكوارث، سيما على نادي المريخ، ففيه فقد الأحمر رئيسه الأشهر، وأباه الروحي الحاج عبد الرحمن شاخور، كما فقد عراب كأس مانديلا عبد الحميد الضو حجوج، والمدافع الصلب والمدرب الطموح صديق العمدة، والمهاجم الأجنبي الأخطر إندورانس إيداهور، وها هو مارس يضع بصمة جديدةً من الحزن على كتاب النادي الأحمر برحيل الأسطورة الأشهر كمال عبد الوهاب.
* أمس أغمض كمال عينيه ورحل عن الفانية بعد معاناةٍ طويلةً مع المرض، وخلَّف رحيله حسرة لا تنقضي في نفوس عشاق كرة القدم السودانية عموماً، ومحبي نادي المريخ على وجه الخصوص، ممن عايشوا قدراته الفذة، وإمكاناته المهولة، وأهدافه البديعة، ولمساته الحلوة.
* مات كمال اللعاب ووري جسده في الأرض بعد هزها بالطول والعرض، رحل عنا لكن سيرته ستبقى فينا ما حيينا، كأعظم موهبة سودانية في مجال كرة القدم، ولو شهد صاحبها زمان الاحتراف لتخطت شهرته الحدود، ولنافس عظماء الكرة على لقب الأفضل في عالم المستديرة.
* نبكيه ونحزن عليه ولا نستكثره على ربه، اللهم تقبله في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
* إنا لفراقك يا كمال لمحزونون محزونون محزونون، ولا نقول إلا ما يرضي الله (إنا لله وإنا إليه راجعون).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صحيفة اليوم التالي

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب




اترك رد