مزمل أبو القاسم يكتب: قانون تصفية التعليم الخاص

مزمل أبو القاسم يكتب: قانون تصفية التعليم الخاص


* من المحزن أن يتعامل بعض مسئولي وزارة التربية والتعليم مع قطاع التعليم الخاص وكأنه عدوٌ ينبغي ترويضه، وشرٌ تجب تصفيته وملاحقة العاملين فيه بعقوباتٍ موغلةٍ من الظلم والتشفي، يصل بعضها إلى السجن والغرامة والمصادرة.
* من يطالع المسودة التي أعدت لقانون التعليم الخاص سيتوهم أنها مخصصة للتعامل مع تجارٍ للممنوعات، أو جانحين معتادين على الإجرام، وليست متعلقةً بقطاعٍ تربويٍ حساسٍ، يُعني بتعليم النشء وتأهيلهم كي يصبحوا مواطنين صالحين، يشاركون في بناء الوطن.
* أتت الثورة للقضاء على مواريث الظلم والمحسوبية والفساد، لا لتقنينها بقوانين تنضح بالحقد والتشفي، لم نشهد لها مثيلاً حتى في عهد الظلم والاستبداد.
* وضح من المسودة المعيبة، التي أعدت بلا تشاورٍ مع العاملين في مجال التعليم الخاص أن من صاغوها يريدون تصفية ذلك القطاع وإزالته عن الوجود، توهماً منهم بأن محاربته ومطاردة العاملين فيه بالعقوبات الكيدية ستخدم التعليم العام، وتُحسِّن بيئته المنهارة.
* لو وجد الآباء مرادهم في المدارس الحكومية لما كلفوا أنفسهم عناء الصرف على أبنائهم في مدارس خاصة، نقر بأن بعضها يمارس جشعاً غير مقبول في تحديد الرسوم.
* فات على من أعدوا المسودة (بليلٍ بهيم) أن يضعوا شروطاً تتعلق بالمؤهلات الأكاديمية لمُلاك المدارس الخاصة، فقصروها على أن يكون المالك سودانياً حسُن السيرة، محمود السُمعة، لم تسبق إدانته في جريمة تمس الشرف أو الأمانة، وأن تتوافر فيه القدرة المالية للإنفاق على المدرسة، وبذلك يصبح من حق الأمُيين والعاجزين عن فك الخط أن يتملكوا المدارس الخاصة، بعلم وموافقة الوزارة ودعم القانون العجول.
* من صاغوا المسودة العامرة بالنواقص سمحوا لأنفسهم بالتعدي حتى على أحكام الشريعة في ما يتعلق بفقه المواريث، عندما وضعوا نصاً يتعارض معها، ويقضي بنزع المدرسة بممتلكاتها ومنقولاتها، كي ترثها الوزارة فور وفاة مالكها، حتى ولو اشترى أرضها ووفر ممتلكاتها وبناها من حر ماله.
* الطبيعي أن يتم إخضاع مشاكل التعليم الخاص ونواقصه وعيوبه والتحديات التي تواجهه إلى دراسةٍ وافيةٍ، وتقييمٍ علمي شاملٍ ومنصف، عبر مؤتمرٍ جامعٍ يعقد بمشاركة أولي الأمر وأصحاب الدراية والمصلحة والتخصص، لا أن يتم تجاوزهم وتجاهل سماع آرائهم، وتنزيل القانون عليهم من علٍ، وإلزامهم بتطبيقه والخضوع إليه وكأنهم قطيع من السائمة.
* تجاوز من أعدوا المسودة حدود تكليفهم المحصور في دراسة وتقييم قطاع التعليم الخاص، وما دروا أنه يضم مئات الآلاف من التلاميذ الذين لم يجدوا في المدارس الحكومية مُرادهم، ولم تتوافر لهم فيها البيئة التربوية الصالحة، والمعلم المؤهل، والكتاب المدرسي الكافي، والمرافق الصحية التي تتناسب مع آدميتهم، فاتجهوا إلى التعليم الخاص اضطراراً بأمر ذويهم.
* الطبيعي أن يتم ترتيب الأولويات، لتتم تهيئة المدارس الحكومية وتقييم معلميها مادياً ومعنوياً، وتوفير فرص التعليم فيها بالمجان، وإصلاح شأنها كي توفر بيئةً مهيئةً، وتعليماً نوعياً للفقراء والمعوزين وغير القادرين على تحمل كلفة التعليم الخاص، لا أن تتم تصفية التعليم الخاص قبل تأهيل بديله.
* نصت المسودة العقيمة على إلزام المدارس الخاصة بتدريس كامل المنهج القومي، وقسمتها إلى ثلاثة مراحل (أساس ومتوسط وثانوي)، قبل أن يتم تعديل السلم التعليمي رسمياً، وفات على المتعجلين والساعين إلى تصفية التعليم الخاص أن غالب مدارسه تدرِّس مناهج أجنبية، تؤهل تلاميذها للخضوع إلى امتحانات الشهادة البريطانية وغيرها، فكيف يتم إلزامها بتدريس المنهج القومي المجاز من الوزارة مكتملاً؟
* من أين ستحصل تلك المدارس على وقتٍ يكفيها لتدريس المنهجين في آنٍ واحد، ولو فعلت فهل سيستطيع تلاميذها استيعابهما معاً؟
* تظهر ثالثة الأثافي في أحكام المادة (38) من مسودة القانون المجحف، بمعاقبة من يخالفون أحكامه بالسجن والغرامة ومصادرة أراضي المدارس وممتلكاتها، وأجزم أن إجازة تلك المادة الموغلة في الظلم والقسوة ستدفع كل ملاك المدارس الخاصة إلى هجرها من فورهم، كي لا يقعوا فريسةً لقانونٍ طابعه الظلم، وعنوانه التشفي، وغاية مراده تصفية التعليم الخاص قبل تهيئة مناخ التعليم العام، وتأهيل المدارس الحكومية كي تحوي ما يليق بآدمية البشر.
* من المؤسف أن يتم استغلال أجواء الثورة لتمرير أجندةٍ خاصةٍ، وغاياتٍ خبيثةٍ، يراد تحقيقها بتوظيفٍ بشع لسلطة القانون، بدلاً من إخضاع نواقص التعليم الخاص إلى دراسة موضوعية وافية، تحدد الأولويات، وتخاطب جوهر المشاكل والتحديات.
* أوقفوا مساعي (تأميم) التعليم الخاص بقانون (حمورابي) الجديد قبل توفير بديل مقنعٍ له في مدارس الدولة، الفاقدة لأبسط مقومات التعليم.

 

 

 

 

 

 

 

 

صحيفة اليوم التالي

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب




الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *