غموض وارتباك في الساحة السياسية… فهل آن الأوان لوقت مستقطع لمراجعة السياسات وتعديل المسار

غموض وارتباك في الساحة السياسية… فهل آن الأوان لوقت مستقطع لمراجعة السياسات وتعديل المسار


تشهد الساحة السياسية بالبلاد حالة من غموض المشهد قد يكون ارتباكاً طبيعياً أتى نتيجة التغيير الكبير الذي شهدته البلاد بسقوط نظام البشير، وقد يكون غياب رؤية وتشتت أفكار واختلاف أهداف، بما انعكس بدوره على كافة مناحي الحياة وأثر تأثيراً كبيراً على معاش الناس، وزاد من تردي الوضع الاقتصادي وسط ملامح غير واضحة المعالم والمواقف من المجتمع الدولي والإقليمي فهل ما يحدث مجرد ارتباك لمشاهد ما بعد الثورات أم هو تمهيد لتحول جديد؟.

عدم انسجام
قراءة الصورة في أحد جوانبها تعكس تخبط وعدم انسجام بين مكونات الحرية والتغيير وبينها وبين الحكومة الانتقالية، تتبدى هذه الصورة في الوضوح يوماً بعد يوم، ما يعطي الأمور سيناريوهات جديدة متوقعة في نظر البعض وغير محتملة في نظر البعض الآخر، ليقود المشهد في النهاية إلى ضرورة توافقات وتوحيد الرؤى بين مكونات المجتمع السوداني ككل وليس على صعيد الكيان الذي قاد الحراك بالبلاد، فبعد تسريبات وأقاويل بأن هناك اتصالات مع المكون الإسلامي بما فيه قيادات من المؤتمر الوطني نفسه والذي قرأها الخبراء على أنها كانت بالونات إختبار لمدى تقبل الشارع لمثل هذه الاتصالات والتي رفضها قطاع عريض على مستوى النخبة والشارع، وفسرها البعض على أن رفضها تدخل في باب العداء الشخصي وليس من باب الخلاف السياسي، وقد رأت شخصيات لها مكانتها في اليسار بضرورة الحوار مع الإسلاميين المستنيرين والذين خرجوا عن المؤتمر الوطني في عنفوانه، حتى جاءت مدوية مفاجئة من الدكتور عبد الله حمدوك رئيس الوزراء بلقائه مع الدكتور غازي صلاح الدين العتباني رئيس حركة الإصلاح الآن.

حمدوك- غازي
لقاء حمدوك- غازي أثار الكثير من التساؤلات والاختلافات حوله حتى بين قوى إعلان الحرية والتغيير نفسها والتي رفضت هذا اللقاء بما سجل بوضوح الخلافات بين الكيان وبين الحكومة التي شكلها، وربط البعض زيارة المبعوث الأمريكي للعتباني بمنزله واللقاء ما نفاه غازي نفسه وأكدت الإصلاح الآن بأن اللقاء كان بطلب من الحركة رفضه حمدوك في البداية ثم وافق عليه بصورة مفاجئة، فما الذي جعل حمدوك يقبل به رغم رفض الحرية والتغيير له؟
مكتب إرشاد
خالد محمد علي نائب رئيس تحرير صحيفة الأسبوع المصرية والخبير بالشأن السوداني قال إن من أبغض الأشياء من بداية التغيير في السودان مسألة الوصاية. وقال خالد لـ (اليوم التالي) تحول الحرية والتغيير كوصي أو كمكتب إرشاد للحكومة الانتقالية عمل على وجود رأسين في نظام واحد، مضيفاً أن الذين يعملون في دولاب الدولة هم الأكثر وعياً بما يحدث بالبلاد، لافتاً إلى أن حمدوك تحرك كرجل دولة بعد أن تأكد أن الشراكة هي النموذج الذي سيحمي السودان من المخاطر والتحديات، وهي التوجه الوحيد القادر على إنقاذ السودان، وقال لا يمكن استبعاد تيارات قوية فاعلة في الشارع السوداني، وكذلك ضرورة الانسجام بين المكونين العسكري والأمني، والتي أثبتت التجربة أن المكون العسكري مهم للحفاظ على أمن السودان، علاوة على تجارب أخرى كثيرة بالمنطقة، مؤكداً أن حمدوك ورجاله لا يستطيعون بمفردهم حكم السودان، وقال إن مسألة استبعاد التيارات الأخرى سوف يعمق الأزمات والتي تحتاج إلى إجماع وطني بمشاركة كل القوى الفاعلة، مضيفاً على حمدوك إما أن يستمر في نفس الاتجاه في محاولة للحصول على توافق كبير لا يستبعد أحد بما فيها التيار الإسلامي والحركات المسلحة وعدم عودتها للتمرد مرة أخرى، محذراً في هذا الصدد من تكرار تجربة العراق، وقال أعتقد أن حمدوك أدرك ذلك وتحرك من هذا المنطلق كرجل دولة مطلوب منه إنجاز الملفات وإنهاء الأزمات، مضيفاً أنه ماعدى ذلك مراهقة سياسية ستؤدي إلى فوضى، مشدداً على ضرورة حوار شامل مع الجميع وإلغاء فكرة الاجتثاث تماماً حتى لا تتعرض البلاد لدخول المتربصين والحروب الأهلية.

تحركات الأمة
هناك زاوية أخرى من المشهد تتلخص في تحركات زعيم حزب الأمة القومي الإمام الصادق المهدي في بعض الولايات كان آخرها دارفور، البعض رأى في تحركات الإمام استعراض لقوة حزبه على الأرض بما يعزز فكرة الاستعداد لانتخابات مبكرة والتي لوح لها كثيراً المهدي في أحاديثه، ورغم الأحداث وبعض الاعتراضات التي حدثت للمهدي في دارفور إلا أن الحزب أكد بأن زيارة زعيمه قد نجحت وأدت الغرض منها بالوقوف على الأحداث التي شهدها غرب الإقليم مؤخراً، وقال الحزب في بيان له بـ(الإثنين) لقد اهتم الحزب بالأحـداث الأخيرة في الجنينة خاصة ما حدث في كرندنق، ونتيجة لهذه الأحـداث المؤسفة أرسل حزبنا وفداً عالي المستوى لتقصي الحقائق والمساهمة في احتواء الفتنة، وموقف الحزب هو تغيير الطاقم الحكومي بطاقم جديد وقد تحقق، والمساهمة في دعـم الإغاثة الإنسانية والعمل على زيادتها من المصادر المختلفة، والعمل على عودة الذين حرقت أماكنهم بعد تحسينها وتأمينها، وإخلاء الأماكن الحكومية وصيانتها لاستئناف العمل الرسمي والدراسة، ومطالبة الدولة بتأمين عودة النازحين بعد الأحداث الأخيرة لمنازلهم، وأكد البيان دعم الحزب لمجهود لجنة التحقيق لمعرفة الحقائق ومساءلة الجناة، وذكر البيان إن لوفد الحزب برئاسة الإمام الصادق المهدي رسـائل لدعم السلام والتصالح ورتـق النسيج الاجتماعي، ولكن آثار التوترات التي وقعت مازالت باقية، ولابد من مراعاة إبعاد أي مناشط تزيد من التوترات في المدينة، لذا فإننا اخترنا وسيلة اللقاء مع المجتمع المدني والسياسي والحكومة لإبلاغ رسالتنا إلى حين احتواء المشاعر المتعارضة التي سوف نعمل علي إزالتها، مضيفاً سوف يقوم حزبنـا بزيارة لاحقة، ضمن زياراتنا لشمال وشرق دارفور يضاف إليها غرب دارفور، وتابع البيان رسالتنا بلغت نيالا وزالنجي وقد كان التجاوب معها قوياً وأكيداً، وقال نشكر الذين احتشدوا منذ الصباح على مشاعرهم، ونرجو أن يقدروا رأينا في تعديل مواعيد لقائهم لوقت آخر ستحدده الأمانة العامـة للحزب. في وقت أكدت فيه أصوات غالبها من الحركات المسلحة بالإقليم بأن المهدي وحزبه لاقى رفضاً كبيراً من أهالي دارفور. فهل أدى الصادق المهدي وحزبه الغرض من الزيارة بالنسبة له أم فلحت محاولات الذين أرادوا التشويش على زيارته للإقليم؟

لا يقبل السلام
المهدي كان قد زار القاهرة قبل أكثر من أسبوعين في زيارة غير معلنة التقى فيها التيارات المختلفة في مصر، وتحدثت مصادر حضرت أحد الاجتماعات للإمام بمنزله بضاحية مدينة نصر بالقاهرة لـ (اليوم التالي) قائلة إن الإمام أبدى عدم قبوله بما يحدث بجوبا ما اعتبرته الحركات بعدم رغبة المهدي في تحقيق السلام، وكشفت المصادر أن المهدي يريد نصيباً أكبر من الولاة لصالح حزبه على اعتبار أنه الأكثر شعبية وجماهيرية بالبلاد، وقالت إنه لذلك حاول أن يتحدى ويذهب إلى دارفور ليثبت أن أهلها معه وليس مع الحركات المسلحة، وأضافت المصادر أن جماهير دارفور خذلت المهدي وظهر هذا جلياً.

اعتزال الشيخ
الصورة الأخيرة من المشهد ظهرت بالأمس مفاجئة للمشهد العام أيضا وهي إعلان إبراهيم الشيخ القيادي البارز بالبلاد اعتزاله العمل السياسي وتقديم استقالته من عضوية المكتب السياسي والمجلس المركزي بحزب المؤتمر السوداني ومن جميع مواقعه الحزبية، كما تقدم باستقالته من عضوية المجلس المركزي القيادي لقوى الحرية والتغيير ومن منصب الناطق الرسمي ومن عضوية لجنة السلام والاتصال بمجلسي السيادة والوزراء. ورغم الحيثيات التي قدمها الشيخ في استقالته من كل هذه المواقع بأنه بات مطمئناً على ما وصلت إليه البلاد وعلى سلامة الانتقال وسقوط نظام البشير بادر بتقديم استقالته معتذراً عن الشكل المفاجئ الذي تم إعلانها به، إلا أنه يبقى السؤال هل هذه الحيثيات التى أتى بها الشيخ فعلا مقنعة للشارع، وهل هي مقنعة له شخصياً أم أن السبب الحقيقي وراء اعتزال الرجل بهذا الشكل في هذا التوقيت الدقيق الذي تمر به البلاد يعبر عن غضب ورفض لما يحدث؟ كل ما ذكره الشيخ من سلامة الانتقال والحوار لا يعززها أي معطى على أرض الواقع ولذلك من المرجح والمتوقع أن يفتح هذا الاعتزال أبواباً كثيرة على الراهن السياسي باالبلاد.

الختام
ويبقى أن المشهد العام بالبلاد مازالت به زواية لا تقل إهمية عما ذكرها التقرير ويأتي على قمتها السياسة الخارجية للبلاد والموقف الإقليمي والدولي من مجريات الأوضاع الداخلية، علاوة على سير عملية السلام والتي يبطن مجراها الكثير والكثير على عكس ما يتم الإعلان عنه، ويبدو أنه على القوى الحاكمة للبلاد وقفة وطنية لإعادة قراءة المشهد ككل وتقييم التجربة، وتصويب الأخطاء وضرورة إجماع وطني شامل وعدم شيطنة فصائل معارضة حتى لا تتكرر سيناريوهات عديدة محبطة في الجوار والإقليم.

صباح موسى
صحيفة اليوم التالي

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب




اترك رد