محاكمة البشير .. تفاصيل جلسة مختلفة

محاكمة البشير .. تفاصيل جلسة مختلفة


في جلسة استغرقت نحو أربع ساعات لمحاكمة الرئيس السابق عمر البشير بتهم تتعلق بالثراء الحرام والمشبوه والتعامل بالنقد الأجنبي، ووسط التكبيرات والهتافات المعهودة التي ظل يرددها ذوو ومناصرو المتهم فور دخوله إلى قفص الاتهام، مخفوراً بثمانية ضباط برتب رفيعة، كانت الجلسة مختلفة عن بقية الجلسات، وبالرغم من سخونة الأسئلة والطلبات المقدمة من الدفاع، إلا أن الجلسة صاحبها بعض القفشات التي لطفت الروح القانونية بين طرفي الاتهام والدفاع وقاضي المحكمة، وفي الوقت الذي كان يدلي فيه الشاهد الأخير بإفاداته كان المتهم يتبسم تارة ويلوح بيديه محيياً كل من تقع عليه عينه من ذويه وأنصاره، وتارة أخرى انغمس في (ونسة) جانبية مع أحد ضباط حراسته الذي كان يقف جواره داخل القفص، وربما تدل المحادثة على أن المتهم يتساءل عن بعض الكلمات لم يستقبلها سمعه، وفي ذات الوقت فرغ القاضي المكلف د. الصادق عبد الرحمن من سماع قضيتي الاتهام والدفاع في 15 جلسة متواصله أسبوعياً، وحجزت ملف الدعوى للنطق بالحكم منتصف ديسمبر المقبل.

 

حضر المراجع العام لجمهورية السودان الطاهر عبد القيوم بصفته شاهد الدفاع رقم 15 و الأخير عن المتهم، وعقب أدائه القسم شرع في الإدلاء بأقواله حسبما جاءت أسئلة الدفاع، وتحدث باستفاضة عن حساب رئاسة الجمهورية وميزانيتها، وأكد أن جميع الأجهزة الحكومية بما فيها رئاسة الجمهورية والهيئة القضائية ووزارة العدل والمحكمة الدستورية ووزارة المالية تخضع لسلطة المراجعة، وأشار إلى أن ميزانية رئيس الجمهورية لديها استثناء واستقلالية كميزانية رقم (1) التي لديها مرونة أكثر في الصرف والنقل، وأن قانون ديوان المراجع القومي 2015 أعطى المراجع العام سلطة إعداد موازنة الديوان، وإن تعرض على رئيس الجمهورية ويصادق عليها كرقم (1) نتيجة لاستقلالية الديوان، ولفت إلى أن كافة الأجهزة الأمنية والسيادية، من ضمنها وزارة الدفاع تتم مراجعتها وتعد لها تقارير ترفع لرئيس الجمهورية والمجلس الوطني، مبيناً أن المراجعة تقف عند بعض المعلومات الحساسة، وإذا تطلب الأمر ينتدب لها مراجع بمستوى أرفع، ولفت إلى أن جهاز الأمن الوطني تتم مراجعة منصرفاته المالية، إلا في حالة وجود معلومة متعلقة بالأمن القومي أو معلومة حساسة.
وأشار مراجع السودان في رده على الدفاع الذي وصف فيه أن الاتهام ذكر بخجل أن مبلغ الدعوى جاء من أمير دولة أجنبية، أشار المراجع إلى أنه لا يعلم بمبلغ الـ25 مليون دولار موضوع الدعوى، لافتاً إلى أن هذه الواقعة لا علم لديوان المراجعة بها، وزاد أنه لا يوجد استغراب عليها عند معرفتها لأنها معهودة، وأكد أنه يفترض أن يذهب المال إلى بنك السودان إذا كان معلوم المصدر، وإذا كانت مجهولة المصدر لدى بنك السودان إجراءات يجب أن يتخذها ولا يستلم المبلغ، ويحرز عليها قانونياً مع إجراء تحقيق وتتبع فيها إجراءات قضايا غسيل الأموال، واستطرد في حديثه عن حساب رئيس الجمهورية، مشيراً إلى أن اسم رئيس الجمهورية لم يذكر من بين الأجهزة التي تخضع للمراجعة، ولكن ورد اسم رئاسة الجمهورية، وأن أي اموال بحيازة رئيس الجمهورية تتم مراجعتها إذا كان المراجع على علم بها، أما إذا كانت خارج نطاق ميزانية رئاسة الجمهورية فتصبح خارج الموازنة إذا لم يكن المراجع على علم بها، وأوضح أنه يوجد حساب خاص لرئيس الجمهورية لم تتم مراجعته في السابق، ولكن مؤخراً تم الاتفاق على مراجعته، وبه الكثير من القضايا الأمنية والسيادية الحساسة، وأكد وجود أموال داخل الدولة خارج الموازنة، كما توجد على مستوى رؤساء الدول ووصفها بأنها أموال تتعلق بالأمن القومي، وأوضح أن المبلغ لم يورد بحساب رئيس الجمهورية، وفي حالة توريده مطلوب العلم بمصدره، حتى لا يكون غسيل أموال، وأن ديوان الحسابات تحت سلطة وزير المالية، وأن التعامل مع مبالغ مجهولة المصدر مسؤولية وزير المالية، وأن الديوان لا يتعامل مع أموال مجهولة المصدر، وأشار إلى شقين تقع عليهما المسؤولية عن الأموال هما وزارة المالية وبنك السودان المركزي، ويتطلب معرفة المصدر، وقدم ممثل الدفاع للمراجع العام مستندات مالية تؤكد صرف المبلغ موضوع الدعوى، تتعلق بالصرف على التصنيع الحربي، وأجاب المراجع أن المستندات لم تعرض على الديوان ولم يقم بمراجعتها، حتى يبين رأيه فيها، وأنه سبق وأن خاطب الدفاع برده حولها، وأنه لا يستطيع أن يحكم عليها إلا بواسطة الديوان وفق آلية تبين الصرف لإعداد المراجعة، وأن بعضها للعام 2018 وأخرى للعام 2019، وجميعها خارج حسابات رئاسة الجمهورية، ولم تقدم للمراجعة، وتعتبر (حجب رأي) لدى المراجع، مضيفاً أن قناة طيبة لا تخضع للمراجع العام، لكن جامعة أفريقيا تخضع للمراجع العام.
حساب رئاسة الجمهورية
قال المراجع إن رئاسة الجمهورية حسب قانون المراجع 2015 خاضعة للمراجعة، وتشمل كل الإدارات وتنتهي برئيس الجمهورية، لكنها قبل العام 2010 لم تراجع، وتم الاتفاق مع وزير رئاسة الجمهورية السابق في نهاية 2018 بضرورة مراجعتها وكذلك مراجعة شركة سكر كنانة، مشيراً إلى أن القروض والمنح والهبات والمنح الخارجية والهدايا مسؤولية وزارة المالية حسب القانون ويتعامل معها بتوجيهات وزير المالية، وتورد في وزارة المالية مع ضرورة معرفة مصدرها، وإذا وجدت بأي وحدة مبالغ خارج الميزانية يتعامل معها وفق قاعدة (من أين لك هذا) وأن التصرفات المالية لرئيس الجمهورية تتم من خلال مراجعة رئاسة الجمهورية، وأوضح أن المبلغ إذا تبرع به لجهات حكومية لا يعتبر مهدداً أمنياً أو قضية حساسة وتخضع للمراجعة، مؤكداً أن رئاسة الجمهورية تخضع لكل قوانين أجهزة الدولة، وأن الحساب الخاص برئاسة الجمهورية تموله وزارة المالية أو أي موارد يوافق عليها رئيس الجمهورية، ويراجعها الديوان، ولفت إلى أن الحساب الخاص لم يكن يراجع في السابق، ومؤخراً تم الاتفاق على مراجعته، وأن مراجعة حساب العام 2018 لم تنته بعد وحتى تاريخ اليوم لم تظهر مخالفة بالحساب، وزاد المراجع في حالة المخالفات والاعتداء على المال العام وعدم توجهه لصالح المواطن وذهابه إلى مصالح خاصة يندرج في سياق آخر، ويرفع تقرير إلى رئيس الجمهورية، وتكتب المخالفات والمنصرفات السالبة في ملاحظات، وإذا تأكد الاعتداء يرفع تقرير إلى رئيس الوحدة المعنية، ومنه إلى نيابة الأموال العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية، واختتم أقواله وجلس جانباً بمقعد أمامي بالقاعة.
طلبات مرفوضة
عقب الفراغ من أقوال المراجع تقدم ممثل الدفاع عن المتهم بطلبات لقاضي المحكمة وجدت جملتها الرفض من قبل المحكمة، وتمثلت في التماس الدفاع بالسماح للشاهد بإعداد تقرير ومراجعة عهدة المتهم، اعترض الاتهام على الطلب واعتبره التفافاً عن قرار المحكمة بعدم إجراء تحقيق أثناء المحاكمة، إلا أن الدفاع أصرَّ على طلبه قائلاً: (أن يخطيء القاضي في قبول الطلب خير من أن يخطيء في رفضه) وفصل قاضي المحكمة بالرفض مبيناً أن المراجع لا يعلم عن المبلغ، وأن المتهم بنفسه أفاد حول المبلغ وكيفية وصوله وأنه شخصي، ولا يوجد مرجعية للمبلغ بدولاب الدولة حتى يراجع، وجاء طلب الدفاع الثاني ملتمساً فيه إتاحة فرصة له بجلسة لاحقة لإعلان مدير شركة سين للغلال طارق سر الختم كشاهد أخير، باعتباره شاهد جوهري في التعامل بالنقد الأجنبي مع المتهم، ولتوضيح المبلغ الذي سلمه له المتهم، بحكم أن المتهم نفى تسليم المبلغ لشركة سين، وطالب بإعلان طارق أو من ينوب عن الشركة، واعترض الاتهام على الطلب باعتبار أن طارق متهم ثاني شريك للمتهم الأول في الدعوى، وأن الدفاع استنفد كل شهوده المودعين بالكشف لدى المحكمة.
متهم هارب
وجاء رد المحكمة برفض طلب الدفاع باعتبار أن طارق سر الختم مدون لديه بالمحضر متهم هارب، وبالرغم من ذلك تم إعلانه كشاهد وتمت الإفادة من مسؤول شركة سين بأنه خارج البلاد، وأشارت المحكمة إلى أن هذه الجلسة هي الفرصة الأخيرة، وقالت إن الدفاع فشل في إكمال قضيته ومنحت له ثلاث جلسات ولم يقدم الدفاع إعلان الشاهد المعني، وأنه يعود ويعلن الشاهد مرة أخرى، أو من ينوب عنه من الشركة، لتحديد المال المستلم، كما رفضت المحكمة طلب للدفاع حول معاينة المكان الذي ضبط به المبلغ، وأكدت المحكمة أنه ورد في المحضر ضبط المبلغ بمقر الإقامة، وعبارة ضبط بمنزله وأن المعنى واحد، وقبلت المحكمة تقرير الأمم المتحدة ولكن أكدت بالرجوع إليه إذا تطلب الأمر، ردت المحكمة على طلب الدفاع حول شهادة مدير مكتب المتهم السابق حاتم حسن بخيت بأنه لم يقرر رفضها أو ضعفها، وترك تقييمها لمرحلة وزن البينة، وحول صفة المبلغ أجابت المحكمة بأن واقعة أن المبلغ وصل هدية من محمد بن سلمان أمير المملكة العربية السعودية زج به الدفاع، وأن الاتهام ذكر أنه وصل من أمير لدولة أجنبية، وأشار قاضي المحكمة إلى أنه ليس لديه مصلحة في أقوال الاتهام أو رتق أي بينات ناقصة، وأنه يرجو محاكمة عادلة، وعليه أغلقت المحكمة طلب الدفاع وحجزت الملف للنطق بالحكم منتصف ديسمبر المقبل وتحديد موعد لإيداع المرافعات الختامية لأطراف الدعوى.

تقرير:مسرة شبيلي

الخرطوم (صحيفة آخر لحظة)

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.