منتدب مارش

منتدب مارش


فرد جديد انضم الى حلقة (ارباب المعاشات) في حلتنا ..بدا شكله غريبا بينهم ..اذ تبدو عليه اثر نعمة قريبة..ملابسه بيضاء ناصعة ..يرتدي ساعة غالية ونظارة سوداء تحجب عينيه …طوال الوقت يطالع هاتفه رغم ضجة النقاش من حوله .. ..سألت عم عمر عنه حين سنحت الفرصة ..كان رده ان الرجل (فلول) ضحكت للتعبير ..يبدو انه كان يشغل منصبا رفيعا في العهد البائد وطالته حملة الاحلال والابدال الاخيرة ..

لوهلة تعاطفت معه ..ارحموا عزيز قوم برضو ..لكن سعدية النكدية لم تمهل هذه المشاعر الرقيقة ..اذ همست لي (شكلك نسيتي) ما كان يفعله هؤلاء الكبار العزاز في ذلك الزمن ..قفزت الى ذهني حادثة تعرفت من خلالها على طريقة من طرق الفساد والافساد الذي شمل البلاد .خلال عملي في احدى المؤسسات البحثية ..كانت قد استقبلت عددا لا بأس به من التعيينات الجديدة ..شباب وشابات ..لم يمض على استلامهم العمل شهر ..حتى اتت احداهن تتهادى وهي تحمل ورقة ممهورة بامضاء نائب رئيس الجمهورية في ذلك الوقت ..تتفتكروا الورقة مكتوب فيها ايه ؟؟ توجيه من (الباب العالي) بتفريغ (فلانة ) حاملة الورقة للعمل العام وذلك لمصلحة الدولة ..في ذلك الوقت كنت لا ازال املك القدرة على الاندهاش ..الدهشة التي تملكتني لم تكن بسبب (ما الذي يمكن ان تقدمه الفتاة للوطن لكي يتم تفريغها بكامل مخصصاتها المالية بعد اقل من شهر من استلامها العمل ) ..اذ يمكن انها من المواهب النادرة والتي يمكن ان يستفيد منها البلاد والعباد ..

دهشتي كانت ان السيد نائب رئيس الجمهورية حينها بجلالة قدرة وحساسية منصبه (ترك الجيش والمماليك ) وطفق يمضي على (التفاريغ ) لاناس في بداية السلم الوظيفي!! ..حينها علمت اننا نعيش في (دولة الحزب ) والذي كان يتعامل كأنهم ورثوا الأرض وما عليها ..صديقتنا المفرغة من قبل رئاسة الجمهورية ..احتفظت بوظيفتها طوال اعوام ..كانت تصرف راتبها بانتظام ..خلال هذه المدة درست كلية اخرى ..تزوجت وسافرت الى دولة اخرى ..والصراف شهريا يحسب اجرها لياتي من يستلمه ..حتى اضطرت الى الاستقالة اخيرا في فترة (فجة الموت ) التي اعترت الدولة في الايام الاخيرة قبل الثورة .

الانتداب للعمل العام كان ظاهرة ..والتي جعلت الدولة مثل اناء ملئ بالثقوب نحاول يوميا ملئه بالمياه ..وتجتهد تلك الثقوب في افراغه ..عدد لا يستهان به من موظفي الخدمة المدنية تركوا العمل الأصلي وتفرغوا للعمل في جهات ما انزل الله بها من سلطان ..هذه الجهات اثرت واستثمرت واغلبها معفاة من الضرائب وطبعا لا تدفع مرتبات موظفيها (تدفعه الدولة ) ..اذكر على سبيل المثال (الاتحاد العام للطلاب السودانيين ) الذي افردنا له عدة مقالات من اجل سيارات القائمين عليه التي كانت تكلف المليارات تدفعها وزارة المالية ..في زمن فيه الطلاب يفترشون الأرض ويلتفحون السماء ..والمدارس تشكو قلة الفئران .

العهد البائد لم يورثنا تركة ديون ثقيلة فقط ..لكنه اورثنا تركة ثقافة فساد (متلتلة) .اذ كان يحيط منسوبيه بهالة من الاهتمام و(الدلع ) ..مثل ان يطوع نظام الجامعة لكي يستطيع بعضهم الذهاب الى (الجهاد ) والعودة في اي وقت من السنة الدراسية ..فيتم قيام امتحانات مخصوصة اسمها (امتحانات المجاهدين ) ..بل كان بعضهم ما ان تقارب الامتحانات الرسمية حتى يختفي ..ويظهر بعد انتهاء المدة الزمنية الخاصة بالامتحان ..فتقام له امتحانات خاصة ..ويلحق برفاقه المنتظمين في الدراسة ..وعند التخرج يتم توظيفه قبلهم في اقرب تعيينات ..اعجبته الوظيفة ..كان بها .(ما خارجت ؟) يأتي بخطاب انتداب لاحد الاتحادات او المجالس ..وتصرف عليه الدولة صرف من لا يخشى الفقر ..فتامل

الخدمة المدنية في السودان نخر عظمها ثلاث اشياء اولها تعيين اصحاب الولاءات دون الكفاءات ..ثانيها الانتدابات والمحاباة في الترقيات ..قيل ثم ماذا ؟ قال جري ذوي الحظوة وراء السفريات . جارنا العزيز ..هكذا حال الدنيا ..عظم الله اجركم في المنصب السابق ..والجاتك في وظيفتك سامحتك .

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.