مطالبات الشعبية بتقرير المصير للمنطقتين .. موقف تفاوض أم تكتيك سياسي

مطالبات الشعبية بتقرير المصير للمنطقتين .. موقف تفاوض أم تكتيك سياسي


أثناء عمليات التفاوض بين الحكومة السودانية، والحركة الشعبية/ شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو، في العاصمة جوبا، كشفت الأخيرة عن مطالبتها بمنح منطقتي “جبال النوبة” و”جنوب النيل الأزرق” الواقعتين تحت سيطرة قواتها، حق تقرير المصير.

وطبقاً لبيان صادر عن الحركة تلقته “اليوم التالي”، فإن فريق الحركة الشعبية المفاوض، أودع لدى الوساطة (دولة جنوب السودان) ورقة مقترحة لإعلان مبادئ للاتفاق عليها كخارطة طريق تحكم العملية التفاوضية مع الحكومة السودانية.
وأضاف، “على الرغم من قبول وفد الحكومة السودانية معظم النقاط الواردة في الورقة، إلا أن هنالك خلافاً حول نقطتين أساسيتين هما علمانية الدولة وحق تقرير المصير لجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، الأمر الذي حال دون اتفاق الطرفين والتوقيع على إعلان المبادئ”.

وأكدت الحركة الشعبية، عزمها على مواصلة التفاوض مع الحكومة لوضع نهاية منطقية للحرب في البلاد عبر التوصل إلى اتفاق سلام عادل، وشامل ومستدام.

وشدَّدت على أن حق تقرير المصير يعتبر موقفا تفاوضيا ستتمسك به كحق إنساني، وقانوني، وديمقراطي.
وأعلنت لجنة وساطة دولة جنوب السودان بمفاوضات السلام تعليق الجولة الأولى للمفاوضات لمدة شهر، لمنح الأطراف وقتاً للمشاورات.

بالنسبة إلى نائب رئيس الحركة الشعبية/ شمال، ياسر عرمان، فإن تقرير المصير حق ديمقراطي غير معزول عن الوقائع السياسية والجغرافية والرؤية الفكرية، وطرحه في المنطقتين، (جنوب كردفان/ جبال النوبة، والنيل الأزرق) محفوف بتعقيدات عديدة.

وأوضح في مقالة تلقتها “اليوم التالي”، أن “طرح تقرير المصير على أساس إثني يمايز بين السكان المحليين على أساس ومعايير غير حق المواطنة، يهزم الحق نفسه ويؤدي إلى حروب إثنية وإطالة أمد الحرب، بينما الغرض من حق تقرير المصير هو الوصول إلى سلام دائم والخروج من دائرة الحرب اللعينة”.

وأشار إلى أن “المنطقتين على عكس الجنوب بهما قبائل عربية وغير عربية لا تطالب بحق تقرير المصير، مما يجعل هذه الحالة أكثر تعقيداً من جنوب السودان”.

وشدد على أن “حدود الجنوب الجغرافية معلومة منذ 1956 وقضيته حاضرة في الأجندة الإقليمية والدولية بأبعاد معروفة ومواتية لحق تقرير المصير، وطرح حق تقرير المصير على هذه الشاكلة ينسف أي أساس لبناء حركة في كل السودان، ويجعل من أعضاء الحركة خارج المنطقتين يخوضون معركة في غير معترك، ويجعل من رؤية السودان الجديد نفسها آلية لتقسيم السودان أكثر منها رؤية لتغيير السودان وبناء سودان جديد.

ونوَّه إلى أن الوضع الإقليمي والدولي الحالي لا سيما في بلدان الجوار المباشرة، لا تؤيد مثل هذه المطالب، وأن هذا المطلب يعزل مطالب المنطقتين من قوى عريضة في المجتمع السوداني، ويحرمها من تعاطف القوى الوطنية والديمقراطية ذات العلاقات الوثيقة مع الحركة الشعبية.

وأكد أن الحركة الشعبية اليوم بحاجة إلى رد الاعتبار لرؤية السودان الجديد لا سيما وإن ثورة ديسمبر السودانية قد أعادت طرح هذه الرؤية، وطالبت ببناء السودان الجديد.

وأشار إلى أن الحركة الشعبية يجب أن تعمل على توحيد نفسها وتوحيد السودان، والحركة الشعبية لن تتمكن من جذب السودانيات والسودانيين إلى صفوفها وخلق علاقات استراتيجية مع القوى الاجتماعية الجديدة إلا بالرجوع إلى منصة التكوين والدعوة لوحدة السودان على أسس جديدة.

وأضاف، “أما في ما يخص علمانية الدولة، فهي طرح صحيح في توقيت خاطئ، والحركة الشعبية حركة علمانية وكذلك رؤية السودان الجديد، ولكن العلمانية ليست شرطاً لإنهاء الحرب ولن تكون شرطاً لعودة النازحين واللاجئين بالضرورة، ولا يمكن أن يأخذ سكان المنطقتين على عاتقهم دفع فاتورة ثمن علمانية السودان لوحدهم بمعزل عن الحركة السياسية السودانية”.

وتابع، “إثارة العلمانية دون تدبر وفي هذا الوقت مدعاة لتوحيد الإسلاميين وصعود التيارات المتطرفة في أوساطهم على حساب التيار الإسلامي المعتدل، وعلينا على الدوام التعامل بمبدئية مع التيار الإسلامي المعتدل والراغب في التغيير والعمل على عزل التيارات المتطرفة التي تعمل على دفع السودان للانهيار وتتخذ من قضية العلمانية شعاراً للتعبئة، وهي تيارات لا يحرك ضميرها إنصاف الفقراء ولا تتورع من إفساد الدين والدنيا وقد أضرت بالإسلام والسودان قبل أن تضر بغيرهما”.

وسبق أن أثارت مطالبة الحركة الشعبية/ شمال بالحكم الذاتي لجبال النوبة منطقة ثقافية متميزة عن بقية أقاليم البلاد في إحدى جولات التفاوض مع الحكومة قبل عدة سنوات، جدلا واسعا وسط القوى السياسية السودانية بين مؤيد ومتحفظ ومعارض.

ورغم أن جزءاً من عضوية الحركة الشعبية، ما يزال يتمسك بحق تقرير المصير ويرفض مبدأ الحكم الذاتي وكذلك حل المشورة الشعبية لمنطقتي جنوب كردفان، والنيل الأزرق، إلا أن الحكومة السودانية تراجعت عن المشورة الشعبية، ورفضت حل الحكم الذاتي كما أنها ترفض بشدة تقرير المصير لجبال النوبة، الأمر الذي أدى لفشل جولات التفاوض منذ اندلاع الحرب بين الخرطوم والحركة الشعبية في المنطقتين عقب انفصال جنوب السودان في العام 2011.

ومنذ أن رفعت الحركة الشعبية لتحرير السودان شعار حق تقرير المصير لجنوب السودان منذ أوائل التسعينيات، بدأ جدل واسع وسط كافة الأطياف السياسية في البلاد بعضها رافض لذلك المبدأ وبعضها متردد تجاه قبوله، فيما تمسكت به الحركة الشعبية لتحرير السودان رغم انقساماتها العديدة في تسعينيات القرن الماضي بحق تقرير المصير.

ومع تصاعد وتيرة الحرب في أوائل التسعينيات وتحويلها لحرب دينية على أيدي نظام “الإنقاذ” الذي تبنى شعارات عرقية ودينية، بدأت حالة من التقارب بين الحركة الشعبية والقوى السياسية المعارضة الأخرى لنظام الإنقاذ وشهد العام 1994 التوقيع على اتفاق بين الحزب الاتحادي الديمقراطي، تلاه حزب الأمة مع الحركة الشعبية وافق فيه الحزبان- الكبيران في السودان تاريخياً– على مبدأ حق تقرير المصير لجنوب السودان.

وفي العام 1995 وقع الحزب الشيوعي السوداني على اتفاق مشابه مع الحركة الشعبية، ثم توج كل ذلك بتبني التجمع الوطني الديمقراطي (الوعاء المعارض الذي شمل كافة القوى السياسية السودانية المعارض) لحق تقرير المصير، فيما عرف بـمؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية.

ومنذ تبني ميثاق الأمم المتحدة في العام 1945 لحق تقرير المصير لكافة شعوب العالم، تمت ممارسة التجربة في عدد كبير من دول العالم، اتسم بعضها بالنجاح وقاد للسلام بين عدد من شعوب العالم، بينما جاءت تجارب أخرى مصحوبة بعدم الاستقرار والنزاعات.

وقد كفل الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان ممارسة حق تقرير المصير للشعوب في حالة فشل دولهم في إدارة التنوع، وتحقيق رغبات الشعوب، واعتبرته جزءاً أساسياً من الحرية الجماعية للشعوب، الأمر الذي قاد لتحرير شعوب القارة من الاستعمار عقب فترة الحرب العالمية الثانية.

ومع فشل العديد من الأنظمة الوطنية الأفريقية بعد الاستقلال في إدارة التنوع في بلدانها، برزت مبادئ حق تقرير المصير من العديد من القوى الديمقراطية المقاومة، لكن صحبته الكثير من المخاوف القومية من انقسام وتفتيت الدول.

ومن الشعوب التي مارست حق تقرير المصير إريتريا التي انفصلت عن إثيوبيا في أوائل التسعينيات، والعديد من دويلات دولة يوغسلافيا، باكستان والهند، وبنغلاديش مع باكستان، وأيضاً الشعب الكردي العراقي مارسه في إقليم كردستان العراق، وكاتالونيا في إسبانيا، وشعب جنوب السودان عندما استقل 2011 من الدولة الأم.

ويرى مراقبون أن هذه التجارب الديمقراطية قادت لنتائج مختلفة بينها الإيجابي ومنها السلبي، إذ قادت لحروب بين دول يوغسلافيا السابقة، جنوب السودان، وتوترات بين إريتريا وإثيوبيا– انتهت مؤخراً– بينما قادت لتعايش سلمي ونزعت فتيل الحرب بين الهند وباكستان، وكذلك بين باكستان وبنغلاديش.

تقرير : بهرام عبدالمنعم

الخرطوم (صحيفة اليوم التالي)

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.