المؤتمر الوطني .. خلافات سرية ومعارضة لغندور

المؤتمر الوطني .. خلافات سرية ومعارضة لغندور


منذ أسابيع يحاول طبيب الأسنان، بروفيسور إبراهيم غندور، إنهاء حالة الصدمة التي أصابت أنصار حزب المؤتمر الوطني الناتجة عن سقوط نظامهم الذي استمر 30 عاماً؛ ولم يكن أكثرهم تشاؤما يتوقع ذلك السقوط المدوي.

ماذا فعل غندور؟

في البداية بدأت التسريبات عن اجتماعات سرية يجريها الحزب الحاكم لتكليف قيادة بديلة بعد اعتقال رئيس الحزب أحمد هارون “ظل البشير والعامل بأمره” وعدد آخر من القيادات.
تحدث الناس في البداية عن علي كرتي وأمين حسن عمر وآخرين، ليخرج أخيرا إبراهيم غندور الذي ترك الحزب منذ أبريل 2018م بعد قرار إقالته من منصب وزير الخارجية عطفا على خطاب غاضب ألقاه في البرلمان لم يُرْضِ المخلوع ولا زمرته.
خرج غندور ليؤكد للإعلام فعليا أنباء تحدثت عن اختياره رئيسا للحزب، وسرعان ما ظهر خلال حوار تلفزيوني مع قناة الحرة. ويعد أول ظهور لقيادي بهذا الحجم من قيادات حزب المؤتمر الوطني.
غندور ظهر في خطابه السياسي في حالة تصالح مع التغيير الذي حدث في البلاد، داعيا أنصار الحزب في أكثر من مرة لعدم الالتفات للإساءات والتجريح ودعم التحول الديمقراطي في البلاد، كما بدا غير متحمس للدخول في أي صدام مع سلطة العهد الجديد بل داعما لحكومة عبد الله حمدوك.

الاختلاف على الرجل

وبحسب ما رشح من معلومات، فإن أطرافاً أخرى داخل الحزب الحاكم غير راضية البتة عن خطوات غندور من حيث جلوسه في المنصب، ولا طريقة إدارته ولا خطابه السياسي، وليس بعيداً عن ذلك ما نُسِبَ لأمين حسن عمر الذي قال حسب (صحيفة التغيير الإلكترونية) إن حزب المؤتمر الوطني انتهى إلى غير رجعة، متهما الذين كانوا في قيادته بالقضاء عليه مقابل مصالحهم الشخصية.
وأشار أمين إلى أن ما قاله إبراهيم غندور الرئيس المؤقت للحزب غير واقعي، وأن غندور تُحرِّكه مجموعة ارتبطت مصالحها بحزب المؤتمر الوطني وتسعى للحفاظ عليه لأسباب ذاتية.
ويذهب عضو القطاع السياسي للمؤتمر الوطني أبي عز الدين في حديثه لـ(السوداني)، إلى “أن حزباً له عضوية كبيرة مثل المؤتمر الوطني لا يمكن أن يتفق فيه الناس على كل شيء، فلو كانوا غير متفقين على البشير نفسه رغم سطوته وسلطته أو التجديد له مرة بعد مرة، فكيف يتفقون على غندور؟”، مشيراً إلى أن مرحلة انتقالية وفيها قوانين استثنائية وجاء فيها غندور إلى حين انعقاد شورى الحزب والمؤتمر العام، مؤكداً أن العضوية ستقبل بهذا القرار حتى أوان الانتخابات لأجل مرور المرحلة بسلام وتماسك.
وأوضح أبي أن من يقفون ضد غندور ليس رفضا له كشخصية، وإنما رفضا لتكرار تجارب الماضي، وخصوصا الشباب الراغب في الانعتاق من المرحلة الماضية التي لم يكن لهم يد فيها، ولا قدرة على فعل أي شيء لتغيير الحال سواء في الحزب أو الحكومة أو عموم الدولة.

الخطاب التصالحي

بحسب صحيفة التغيير الإلكترونية، فإن هناك قيادات من المؤتمر الوطني تمثل ثلاث تيارات تتجاذب ساحة الإسلاميين حاليا، وكل تيار يسعى لفرض رؤيته على مستقبلهم، وأحد هذه التيارات يمثله ابراهيم غندور الذي يرى ضرورة التماهي مع الواقع وعدم مواجهة حكومة الثورة، حفاظا على مكتسبات المرحلة الماضية، والإبقاء على الكوادر داخل مؤسسات الدولة، بينما يتزعم علي كرتي تيارا يُنادي باصطفاف الإسلاميين بمختلف توجهاتهم لمواجهة الوضع الجديد بأية وسيلة، بينما يرى تيار أمين بأن فرص المؤتمر الوطني والإسلاميين بالطريقة القديمة انتهت، وأن حظوظ القيادات الإسلامية بمختلف تياراتها محدودة للغاية إن لم تكن معدومة، ويرى أن الحل في بدء عمل جديد وإن كان يتطلب سنوات.
وبحسب مصدر تحدث لـ(السوداني)، فإنه في السابع من أبريل الماضي اجتمع الوطني بكل مؤسساته التنظيمية لجمع الآراء، إذا حدث سقوط للنظام، وكانت هناك توجيهات بالتزام الصمت، وفي الحادي عشر من ذات الشهر قدم الحزب استبيانا حول مكانته في المعارضة حيث اختار (83%) من العضوية أن يصبحوا في المعارضة وتقييم التجربة، بينما اختار (10%) منهم العمل على المعارضة الشرسة كاملة الدسم بينما كان التزام الـ(7%) الصمت.
وفي ذلك يذهب المحلل السياسي أسامة عبد الماجد في حديثه لـ(السوداني)، إلى أن خطابات غندور ليست تصالحية بل عقلانية، وأن لغته لم تتغيَّر، موضحاً أن ما ندر أن يجد قيادي في الوطني تقدم الصفوف اتفاقا مثلما وجده غندور، قاطعاً بأن رئاسة غندور أنقذت الحزب، خاصة أن عددا من قيادات الحزب بعضها توارى وبعض منها هرب وهناك آخرون أصبحوا في حيرة من أمرهم.
وأشار اسامة إلى أن وجود غندور بث الطمأنينة لأنه الشخص المناسب ولا أحد يجرؤ أن يتهم غندور بالاتهامات التي تُصاغ في وجه قيادات الوطني الأخرى، مشدداً على أنه يجد قبولا واسعا وسط شرائح الشباب حتى الذين لا علاقة لهم بالأحزاب.

(غندور معصور)

بحسب معلومات (السوداني) فقد دار نقاش حاد داخل مجموعات (الواتساب) حول خطاب غندور، فكان تعليق أحد الأعضاء فيه نقد لغندور: “يُحمَد لك يا بروف تفاعلك المستمر مع وسائل التواصل الاجتماعي، وهذه ميزة افتقدناها عند جل قياداتنا.. عند تكليفك برئاسة الحزب استبشرنا خيرا، ودعمناك رغم قناعتنا بأن عهد الشيوخ قد ولى، وأن القيادة يجب أن تؤول للشباب، لأن الثورة التي أسقطت نظامنا هي ثورة شباب.. قبلنا ذلك على مضض لحساسية المرحلة وأهمية وجود شخص تتوفر فيه خصالك وصفاتك”. واستدرك المتداخل: “لكن للأسف يبدو أنك أُصبت بداء العظمة، وأخذتك العزة بالموقع، وأصبحت لغتك مُتعالية في جل ردودك على إخوانك، مقابل لغة مرنة تجاه خصوم حزبك”.
فيما كان تعليق عضو آخر: “عزيزي البروف نقدر هذا البعد الذي تنظر إليه ونهمس في أذنك جهرا لنقول لك إن الإسلاميين لا تُوحدهم إلا التحديات، ولا تؤلف بين قلوبهم إلا المعارك، ولا أُذيع عليك سرا إنْ قلت لك إنّ الشعب السوداني نفسه لا يحب إلا الأقوياء والأقوياء يرى فيهم شخصيته وإن كانوا أعداءه”.
و كان رد غندور عليهم: “عندما تقدم خطابك لشعب خاطبه بقدر مقامه وشعبنا عظيم وصادق وشجاع، علينا أن نخاطبه بلغة على قدر تقديرنا لصفاته تلك وغير من جميل الخصال، لا أن نتحدث باللغة التي يصفنا بها بعض الجهلاء كذبا وتلفيقا وساقط قول، نخاطب شعبنا بقدر حبنا ومشاعرنا تجاهه”، وأضاف غندور: “الأمر العام ما فيه طالعني الخلا، خاصة لو كنت في القيادة لأنك تتحمل تبعات من قدموك للقيادة أو هم جزء من انتمائك ولو اختلفوا معك، في الخاص افعل ما تريد وبالطريقة التي تحب لأنك وحدك من يتحمل النتائج”.

الامتصاص و التهدئة

أبي عز الدين أوضح لـ(السوداني) أن الغالبية من العضوية التزمت بتوجيهات القيادة السابقة قبل تكليف غندور، وهي التهدئة والامتصاص والصبر على الأذى إلى حين مرور العواصف على الوطن حماية له من الانزلاق لمصير (بعض) دول الربيع العربي، التي لا استقرت من ناحية أمنية، ولا انخفضت فيها تكلفة المعيشة، ولا تم حفظ كرامة الإنسان فيها، مشيراً إلى أن العضوية واصلت التزامها في جميع الأحياء والمرافق بالتهدئة، والانشغال بالمراجعات الإصلاحية وتطوير النفس والهيكل والرؤى، استعدادا للمستقبل، بصورة جديدة لا يتم فيها تكرار تجربة السابقين. وأضاف: هذا هو التيار الذي سينجح، وهو تقديم مصلحة الوطن على ما عداها، مثلما قامت اللجنة الأمنية بتقديم حفظ أمن الوطن على حفظ أمن الحكومة أو الأحزاب الحاكمة.

تقرير : مشاعر أحمد

الخرطوم (صحيفة السوداني)

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.