التشاكس السياسي بين الشركاء.. تهديداً لاستمرارية حكومة حمدوك

التشاكس السياسي بين الشركاء.. تهديداً لاستمرارية حكومة حمدوك


بعد أقل من شهر لتكوين مجلس السيادة وأقل من ثلاثة أيام لإعلان أسماء الحكومة من قبل رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، ظهرت إشارات من هنا وهناك يمكنها أن تعطي صورة عامة لشكل المستقبل القريب بالنسبة لحكومة حمدوك، التي يضع عليها المواطن آمالاً عراضاً لتحقيق مطالبه واحتياجاته للحياة، هذا ما يقوله الكثيرون حتى الآن “حمدوك يبدو أنه زول كويس وعارف بيعمل في شنو، لكن نتمنى أن تتركه أحزاب ومجموعات قوى الحرية والتغيير لينجز أفكاره”، وهذه الأفكار تدلل على أن المواطن لا يخاف على حمدوك من المعارضة التي أصبحت تضم إسلاميين وبعض الأحزاب الأخرى، ولكنه يخشى من صراعات شركاء “قحت”، وإن كان تمرين اختيار الحكومة مر دون حدوث هزة في بناء تحالف “قحت”، إلا أن ما خلف الكواليس يؤكد أن تأثير الخلافات التي ظهرت في اختيار الأسماء وإزاحتها ثم إرجاعها، سيظل عالقاً في نفوس الشركاء ويجعلهم أقرب إلى ترصد أخطاء بعض دون بذل مجهودات للتعاون المفضي إلى إنقاذ البلاد من أزماتها الحالية.
(1)
البعض يخشى من بروز معضلة التشاكس على مستوى أجهزة الحكم المختلفة، والبلاد تاريخياً عُرفت بهذا الأمر، وحديث الراحل الشريف زين العابدين الهندي رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي عن الديمقراطية الثالثة، التي تشكلت عقب الإطاحة بنظام جعفر نميري يبدو حاضراً، فالرجل قال عبارة مشهورة لا يزال صداها يتردد “عليَّ الطلاق الديمقراطية دي كان شالها كلب ما نقول ليهو جر”، وكان ذلك تعبيراً عن الحالة التي وصلت إليها الحكومة وقتها وعدم قدرتها على مواجهة المشكلات، وعبر الهندي أيضاً بقوله: “أخاف على الوطن أن يضيع بسبب الحكومة والمعارضة”، وإن كان البعض يعزي ذلك الفشل إلى التشاكس داخل مكونات الحكومة حينها التي يتزعمها الصادق المهدي ويشاركه فيها الحزب الاتحادي، مع إن هناك عوامل كثيرة ساهمت في تقصير أجل الديمقراطية البرلمانية وقتها، وهي إن تمت المقارنة فلن تخرج عن سياق ما يحيط بالبلاد هذه الأيام، أولها بالطبع الأزمة الاقتصادية التي أحكمت قبضتها على مؤسسات الدولة ومعاش الناس، فعندما تسلم الصادق السلطة كانت خزينة البلاد فارغة تماماً إلا من جنيهات قليلة، وهو ما ساهم في إعاقة حركة الحكومة وجعلها لا تقوى على إدارة الدولة، وكذا الكثير من الشراكات التي تلت تلك التجربة حتى في عهد الإنقاذ، أبرزها تجربة الشريكين “المؤتمر الوطني والحركة الشعبية” حول اتفاقية نيفاشا والتي مرت بعثرات كثيرة حتى وصلت بالبلاد إلى الانفصال، وكذلك تجربة حركات دارفور التي وقعت السلام وغادرت مرة أخرى بسبب التشاكس.
(2)
والحال يبدو نفسه، فالأزمات الاقتصادية الماثلة تثير مخاوف البعض بأن تكون السبب أيضاً في الإطاحة بحكومة حمدوك بمساعدة “التشاكس”، لأن الأخير هو من يكبل رئيس الوزراء من أداء عمله ويجعله غير قادر على التفكير، وتصريحات الصادق المهدي بالأمس تخدم ذات الاتجاه، فالرجل الذي يعتبر من أكثر السياسيين تجربة يقول مضمون تصريحاته المنشورة في الزميلة التيار “إن التحدي الاقتصادي هو الأخطر على حكومة حمدوك، لأنه السبب الذي أسقط البشير وليس المعارضة”، لكن المهدي يؤكد أن قوى التغيير ستدعم حمدوك لكنه إذا تعثر ستمضي إلى خيار الانتخابات المبكرة”، ويرى البعض أن تصريحات المهدي مؤشر لنتاج قراءات الرجل البعيدة بناء على معلوماته ورؤيته للمرحلة، وهو الذي يتهمه البعض بأنه صانع المرحلة الحالية ومهندسها، وهنا يمكن الإشارة إلى تصريحات المتحدث باسم مجلس السيادة محمد الفكي سليمان في مقابلة مع قناة العربية التي اتهم فيها العسكريين في مجلس السيادة باحتكار المعلومات المتعلقة بالدولة، وهدد بأن استمرار ذلك سينسف روح الشراكة، وأضاف “شركاؤنا العسكريون حصلوا على كثير من المعلومات المتعلقة بالدولة، وذلك بحكم وجودهم في الحكومة السابقة، وهذا ما لا يتوفر لدينا، وبالتالي أصبحت المعلومات نقطة قوتهم لذلك وما لم تحدث مشاركة للمعلومات قد نلجأ نحن إلى استخدام نقاط قوتنا، وهذا ليس في صالح الاستقرار”.
(3)
وبالطبع كلمات الفكي تلك تمثل نقطة في بداية التشاكس بين الشركاء الجدد، وهذا مقرون بما ينبه إليه الكثيرون بأن الوثيقة الدستورية التي تحكم البلاد في الفترة الانتقالية بها ثغرات كبيرة قد يجدها طرف مبرر لإثارة المشاكل المعوقة للتقدم، وهو ما أقر به عضو السيادي محمد الفكي عندما أشار إلى ضعف في الوثيقة الدستورية في الجانب الخاص بحكومات الولايات التي لم تشكل بعد، وملف الولايات هذا يحتاج إلى جولات أخرى من الحوار، وهذا أيضاً يمكن استخلاصه من إفادات عضو المجلس السيادي الفريق ركن شمس الدين الكباشي، الذي قال في تصريحات إن مجلس السيادة اعتمد 19 وزيراً وليس 18 وزيراً، وتابع “ليس من حق أي جهة أن لا تعلن عن وزير البنى التحتية أحمد محمد طاهر”، وقال كباشي إن رئيس الوزراء حمدوك ليس لديه الحق في عدم الإعلان عن الوزير، لأن هذا مرسوم دستوري وتم اعتماد الوزراء بحضوره، هذه المؤشرات كلها مقرونة بحديث المهدي عن رفض المحاصصة وإصرار بعض مكونات قوى التغيير عليها “الإجماع الوطني”، لأنهم وفقاً للمهدي يدركون أنهم لن يصلوا إلى مواقع المسؤولية إلا بالمحاصصة لأن ليس لديهم قواعد شعبية.

تقرير : آدم محمد أحمد
الخرطوم (صحيفة اليوم التالي)

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.