في جلسة عاصفة.. الرئيس المخلوع يدلي بإفادات مثيرة

في جلسة عاصفة.. الرئيس المخلوع يدلي بإفادات مثيرة


لم تكن توقعات هيئة الدفاع عن الرئيس السابق عمر البشير، أن تمضي جلسة محاكمة موكلها، بخلاف ما تم تحديده وفقاً لحيثيات الجلسة السابقة، المتعلقة بسماع بقية شهود الاتهام، أمام المحكمة المكلفة بالنظر في الدعوى الجنائية وفقاً لقانون السلطة القضائية.

ومع ارتفاع سخونة أجواء صباح أمس، كانت جلسة محاكمة البشير، أكثر سخونة، من خلال الاعتراف القضائي له وتأكيده على تسلمه مبلغ بقيمة (25) مليون دولار، كما أن المفاجأة التي فجرتها هيئة الاتهام برئاسة ياسر بشير البخاري، باستغنائها عن أحد الشهود والتماسها من المحكمة إغلاق قضية الاتهام، كان بمثابة عثرة وقفت أمام هيئة الدفاع.

 

مفاجأة من العيار الثقيل

على غير العادة، نحت جلسة محاكمة الرئيس السابق البشير منحى آخر، الأمر الذي لم تتحسب له هيئة الدفاع، ولم تتوقعه، فالجلسة حسب ما تم تحديده مسبقاً كانت تتعلق بسماع ما تبقى من شهود الاتهام، بعد أن فرغت المحكمة من سماع الشهود الأوائل في الجلسة الفائتة، مفاجأة من العيار الثقيل فجرتها هيئة الاتهام أمس لم تكن في الحسبان، حينما طلبت من المحكمة الاستغناء عن أحد الشهود، برتبة مقدم لتطابق إفاداته مع بقية الشهود، الذين تم سماعهم وأن يتم استجواب الشاهد الآخر برتبة عميد عقب عودته من مهمته الخارجية الموكلة إليه بجمهورية مصر والتي تنتهي في الثامن عشر من يونيو العام 2020، بجانب إغلاق قضية الاتهام.

رفض طلب

ما أن فرغ رئيس هيئة الاتهام من حديثه وطلبه من المحكمة الموقرة، تقدم عضو هيئة الدفاع هاشم أبو بكر الجعلي بطلب للمحكمة التمس فيه السماح بالجلوس مع موكله (المتهم البشير)، غير أن المحكمة قابلت الأمر بالرفض القاطع، وجاء رد قاضي المحكمة الصادق عبد الرحمن الفكى، بأنه يرفض ذلك الطلب مبرراً ذلك بأن المحكمة منحت هيئة الدفاع فرصاً كثيرة للجلوس مع المتهم.

حضور لافت

في المقابل انتظم جميع الحضور في أماكنهم داخل القاعة التي كانت تعج وتضج بالحضور بمختلف ألوانهم، ضمت إعلاميين منهم صحفيون، ومراسلون لقنوات فضائية عالمية ومحلية، بجانب ممثلين وأعضاء لهيئتي الاتهام والدفاع عن البشير، بجانب أقارب البشير من الدرجة الأولى، ومناصريه ومؤيديه الذين علت أصواتهم لحظة وصوله (قفص الاتهام) بالتهليل والتكبير والتلويح مؤشرين وملوحين بأياديهم تجاه البشير، في إشارة إلى المؤازرة والوقوف إلى جانبه.

كانت الصفوف الأمامية في اتجاه هيئة الدفاع، تضم أسرة الرئيس في مقدمتهم شقيقه علي، من اللافت جداً حضور أبناء زوجة الرئيس (وداد) الجلسة.

اعتراف قضائي

عقب موافقة المحكمة على ما تقدمت به هيئة الاتهام من طلبات تتعلق بإغلاق القضية وغيرها، اتجه  قاضي المحكمة المكلف بالنظر في الدعوى الجنائية وفقاً لقانون السلطة القضائية، د. الصادق عبد الرحمن الفكي ناحية المتهم البشير، موجهاً له ما تم من تسجيل إفادات أدلى بها المتحري للمحكمة في جلسة سابقة، تتعلق بوجود مبالغ مالية، بلغت قيمتها نحو (351.770) دولار، ومبلغ (6.799.500) يورو، بجانب مبلغ (5) ملايين جنية سوداني، تم ضبطها بمقر إقامته ببيت الضيافة بالقيادة العامة للجيش، في يوم 16/4/2019.

في المقابل كان البشير داخل قفص الاتهام أكثر تماسكاً وثباتاً من أي وقت سابق، بيد أنه غير منزعج مما آثارته هيئة الاتهام من مفاجآت مذهلة، تتعلق بالقضية، ولم يتردد البشير في سرده الممتع للوقائع التي تم بموجبها استلامه للمبالغ التي ضبطت بحوزته، إذ أنها المرة الأولى التي يدلي فيها بأقواله للمحكمة، وسجل البشير اعترافاً قضائياً أمام قاضي المحكمة، بأنه تسلم مبلغ (25) مليون دولار من الأمير محمد بن سلمان ولي عهد المملكة العربية السعودية.

علاقات خارجية

اهتمام واضح ذكره البشير في رده على أسئلة المحكمة، بالعلاقات الخارجية إبان توليه الحكم على مدى ثلاثين عاماً مضت، بجانب الاهتمام بالمحيط العربي والإفريقي، وأشار إلى الاهتمام الخاص تجاه المملكة العربية السعودية رغم التوتر الذي حدث وقتها، إلا أنه عاد وقال العلاقات في جملتها كانت متميزة تطورت بصورة كبيرة عند وصول محمد بن سلمان السلطة، وسجل البشير اعترافاً قضائياً أمام الحضور كافة بأنه تسلم مبلغ 25 مليون دولار من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بطريقة سرية تم إرسالها عبر طائرة خاصة ومبعوث خاص ولم تسلم إلى  بنك السودان حتى لا يعرف مصدر المال، وقال إنه استلم المبلغ المقدم له كهدية عبر مدير مكتبه السابق حاتم حسن بخيت واتصل به مدير بنك المال لتسليم المبلغ بصفة شخصية، وأكد البشير في أقواله إنه استلم المبلغ ونقله إلى مكتبه في بيت الضيافة، ولم يتم إيداعه في أي من البنوك حتى لا يسأل عن مصدره، كما أفاد أنه احتفظ به بناء على رغبة محمد بن سلمان الذي فضل عدم ذكره، والكشف عن هويته، وقال البشير في أقواله إنه كان يتمنى أن تكون الجلسة سرية حتى لا يظهر اسم محمد بن سلمان حسب رغبته.

مبالغ خارج ميزانية الدولة

وقال البشير إنه لحظة إذاعة بيان عزله أبلغ عوض بن عوف وزير الدفاع السابق بوجود الأموال في بيت الضيافة، وأكد  أنه يستخدمها في أشياء خاصة، وأقر بالصرف من المبلغ خارج ميزانية الدولة والقنوات الرسمية بعد تحويله إلى دولار وجنيه سوداني، وكشف عن صرف المبلغ على عدد من الجهات من بينها قناة طيبة باعتبارها قناة تخدم الإسلام وليس بصفة شخصية لعبد الحي يوسف بجانب صرف 5 ملايين دولار لقوات الدعم السريع و2.250 مليون دولار للسلاح الطبي و4 ملايين دولار لجامعة أفريقيا، واعترف البشير بأنه تعامل في تحويل تلك الأموال من النقد الأجنبي إلى المحلي عبر مدير مطاحن سين للغلال طارق سر الختم الذي ضبطت معه حوالي 5 ملايين دولار، وأضاف “إنه كان يحول تلك الأموال من رأس مال الشركة للاستفادة منها في استيراد القمح من الخارج”، وأوضح أنه كان يقدم الدعم لشركة سين لأنها تغطي نسبة 44 بالمائة من احتياجات الدقيق في البلاد.

تبادل عملة 

لم يخف البشير حسب ما أدلى به من إفادات أمام قاضي المحكمة أمس أي ردة فعل ربما كانت تظهر من خلال توجيه الأسئلة التي تتعلق بالتعامل بالنقد الأجنبي، حيث كشف عن التعامل بتبادل العملة بينه وبين مدير شركة سين للغلال نتيجة لوجود مشكلة في العملة الأجنبية وتحويلها للخارج، في ظل وجود وفرة للعملة المحلية التي بحوزتها، ونفى البشير أن يكون قد أثرى من تلك الاموال، ولم يمنح أهله وإنما كان يقدمها دعماً لجهات. وأكد تسلمه شيكاً بمبلغ مليون دولار من الشيخ خليفة بن زايد بالإمارات، لكنه لم يصرف الشيك ولا يتذكر مكانه، كما أدلى البشير وأكد عن إجرائه إقرار ذمة مرتين بحصر ممتلكاته مرة بوزارة العدل ومرة أخرى برئاسة الجمهورية، وأشار إلى أن إجراءات الفحص لم تكن بصورة دورية.

توجيه تهمة

حسناً، جلسة محاكمة الرئيس السابق عمر البشير انعقدت وسط إجراءات وحراسة أمنية مشددة، تم فيها استجواب المتهم، قرابة العشر دقائق، ساد القاعة صمت رهيب، كان حينها قاضي المحكمة منهمكاً بالكتابة، وما أن فرغ ورفع رأسه عدل من جلسته، وبدأ في توجيه ثلاث تهم، تحت المادتين (6،7) من قانون الثراء الحرام والمال المشبوه لسنة 1989، مقروءة مع المادة (6ج) المتعلقة بقبول الهدية، والمادة (7) متعلقة بإبراء الذمة، والمادة (21) من القانون الجنائي لسنة 1991، مقروءة مع المواد (9،5) من قانون التعامل بالنقد الأجنبي، والمادة (3) من قانون أوامر الطوارئ مقروءة مع المواد (8،3) والمادة (6) من الطوارئ لسنة 2019، كما رفضت المحكمة إطلاق سراح البشير بالضمانة المالية العادية بحسب طلب دفعت به هيئة الدفاع عنه الأسبوع الماضي، وبرر القاضي عدم إطلاق سراح البشير بأنه يحتمل هروب البشير من السجن بجانب ضمان سلامة إجراءات المحاكمة، كما أن البشير لديه بلاغات أخرى سيتم تسليمه إلى العدالة بموجبها، ووجهت  المحكمة ذات التهم لطارق سر الختم مدير شركة سين للغلال، كما حددت جلسة الأسبوع المقبل لاستكمال إجراءات المحاكمة.

تقرير: أم سلمة العشا

الخرطوم: (صحيفة الصيحة)

 

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.