القيادي الإسلامي أحمد عبدالرحمن : لا أتاسف على زوال (الإنقاذ).. ومبسوط من كلمة (مدنياووا)

القيادي الإسلامي أحمد عبدالرحمن : لا أتاسف على زوال (الإنقاذ).. ومبسوط من كلمة (مدنياووا)


صورة معلومة للجميع مشهداً وحدثاً وواقعاً، شكلت ملامح الأفق السياسي السوداني، حملت معها حالة من عدم الاستقرار السياسي لتجارب الحكم عسكرية كانت أم مدنية منذ الاستقلال وحتى اليوم.
تلك التجارب التي لم يحالفها الحظ والتوفيق في أن تبقى وتستقر بالبلاد فصارت هذه المتوالية الهندسية والدائرة الجهنمية (انقسامات سياسية ــ تمرد ــ انتفاضات وانقلابات) فدار السودان ودارت كل اتجاهاته السياسية في هذا الفلك وهذا المضمار ردحاً من الزمن، هكذا في تجربة الحكم العسكري الأول 17 نوفمبر 1958م (انقلاب عبود) والتي نُسِبت إلى حزب سياسي بعينه، ثم التجربة العسكرية الثانية والتي جاءت بملامح أيدولوجية (الحزب الشيوعي في مايو 1969م تلك الحقبة التي قدمت ثلاثة أنواع من التجارب حُسبت على اليسار والقوميين العرب في بدايتها ومضت نحو الوسطية في مرحلتها الثانية ثم انتهت يمينية إسلامية في نسختها الأخيرة وما بين الديمقراطية الأولى والثانية والثالثة كان الفشل أبرز المعالم وكان التآمر على الديمقراطية هو القاسم المشترك من قبل العديد من القوى السياسية ومن هنا جاءت الإنقاذ بطريقة لم تكن مختلفة كثيراً عن الانقلابات الأخرى إن لم تكن الأسوأ والأردأ عن أخرياتها والناظر لتجربة عبود أنها خلصت إلى طغيان فرد ومن ثم تجربة نميري كانت هي الأوفر حظاً في بروز سلطة الفرد أيضاً، غير أن النظام (البائد) ملمحه وممارساته كانت هي طغيان الأفراد بصورة واضحة أوصلت الناس إلى هذا المنعرج فتاهت الدولة والمؤسسات وتسلل الفساد بدرجة طغت على النجاحات التي تحققت.. مساحة من الحوار والعصف الذهني جمعتنا بالقيادي الإسلامي صاحب الرأي السديد بلا مواراة أو مواربة أحمد عبد الرحمن محمد في قراءة لتشخيص الحالة فسألناه:

** هولاكو حفيد جنكيز خان عندما وصل بغداد قتل الآلاف والتقى بعالم شاب وسأله لماذا أنا هنا فرد الشاب السبب (اتباعنا الدنيا والسلطة وكثرت ذنوبنا وخلافاتنا) برأيك هل زوال الإنقاذ كان لهذه الأسباب؟
ــ أنا من قبل مدة طويلة كان لي موقف من السلطة الحاكمة وتحديداً (المؤتمر الوطني) ولكنني رأيت أن العشر سنوات الأولى كانت للدكتور الترابي والحركة الإسلامية والثانية كانت لحزب المؤتمر الوطني، لكن وبكل أسف فإن العشرية الثالثة كانت للبشير التي استخدم فيها الزي العسكري تارةً والزي المدني تارةً أخرى، أي أنه أحياناً مع الجيش وأحياناً مع السياسيين ولقد ظل الحال هكذا إلى أن توصلت لقناعة بأن أجندة المرحلة يجب أن تعلو على كل أجندات حزبية ضيقة، وكنت أتمنى أن يكون هذا هو هم الكثيرين في كل الأحزاب لأن التناحر والتناطح هذا (بجيب خبرنا كلنا)، فمن المؤسف لبلد نالت استقلالها قبل أكثر من ستين عاماً أن يكون هذا هو حالها ومآلها إذ ما زلنا في مرحلة مخاض بحثاً عن الضروريات الأساسية.. ولكننا يجب أن لا نبكي على اللبن المتدفق فالإنقاذ هي حكمت لفترة طويلة ووفقت في قيام مشاريع كانت في الأضابير لفترة طويلة وهي قطعاً لن تنمحي بل هي مشروعات قائمة، لكنها أخفقت كثير جداً في أنها انتهت بسياسات غير موفقة إقصائية وسياسات تمكين لمدة ثلاثين سنة وهذه فضيحة، وإذا نظرنا لسياسة التمكين في أمريكا لرأينا أن التمكين هناك هو لعبة متفق عليها وهي ليست من طرف واحد والحزب الديمقراطي والجمهوري سياسة التمكين عندهم هي في أقوى صورة من الصور.

** يقولون إنه في قضية التمكين أخطأ أهل الحركة الإسلامية في الفهم بحيث كان يجب أن يكون للأفكار وليس للأشخاص أليس كذلك؟
ــ بالفعل التمكين بهذا الفهم ولمدة ثلاثين عاماً قد أدى في النهاية إلى عجز فاضح وأثر كثيراً على حياة الناس.
** ثم ماذا عن الفساد وما أدراك ما هو؟
ــ الفساد قطعاً هو ظاهرة عالمية ولكن العيب في عدم الاعتراف به ومواجهته، وإذا ما نظرنا لإثارة هذه القضية في البرلمان السابق لرأينا كيف أن رئيس الجمهورية المخلوع قد رفض ولمدة ثلاث سنوات التوقيع على قانون المفوضية، وليس هذا فحسب بل إن رأس النظام نفسه اعترف بوجود  “قطط سمان” فلم يحرك ساكناً ولم تتكون لجنة واحدة لتحقق في الفساد، وأنا أعتقد وآخرون معي كثر أن البشير هو في نفسه ليس فاسداً ولكن لا يمكن تبرئته لأنه وبكل أسف كان مظلة للفساد وهذه الحال هي أسوأ من الفساد نفسه.
** متى شعرت بأن النظام قد انتهى؟
ــ حقيقة أنا من قبل مدة شعرت بتهاوي النظام فالقصة (جاطت) من قبل فترة ونحن الذين جئنا بالبشير وليس العكس وبالتالي نحن ساهمنا بطريقة أو بأخرى في مجيء نظام الإنقاذ 1989م.
** الصيحات المتعالية والمتتالية بالمطالبة بحكم مدني (مدنياووا) كيف تجيء على وقع آذانكم؟
ــ صراخ مدنية والتي حاول تلطيفاً أن يؤكدها نائب رئيس المجلس العسكري حميدتي فأنا مبسوط من المناداة بالمدنية لأنه من الفضيحة أنه وبعد ثلاثة عقود من الحكم أن تكون هناك الفوضى قائمة بين الحكم العسكري والأحزاب، وبالتالي أنا بقدر ما أسمع لكلمة مدنية أفرح جداً لأن هذا الحلم لا بد له ولازم من أن يتحقق، ولكن في نفس الوقت أحزن جداً بأن الطريق لذلك هو صعب لأنه في مراحل الثورات السابقة أكتوبر 1964م وأبريل 1985م، وأنا أذكر هنا أكتوبر تحديداً لأن أبريل لم أرها لأنني كنت معتقلاً، ففي أكتوبر كنت عضواً في جبهة الهيئات وكانت هذه الجبهة تضم عدد ثماني عشرة جهة ولكن سلوكنا كان مثل سلوك تجمع المهنيين الآن لم نطمع في سلطة ولم نتحدث عن حزب، لذلك كان التسليم والتسلم سلساً ولكن الآن المسرح شهد أشياءً جديدة من التطورات وهو غير المشهد في السابق، ونحن كنا سابقاً كحزبين صغار الإسلاميين والشيوعيين تصارعنا في جبهة الهيئات وذلك بعد أن سقط نظام (عبود) ولكن قبل سقوط النظام لم نتصارع، ففي أكتوبر 1964م الإسلاميون والشيوعيون جمعهم هدف واحد هو إسقاط النظام والإسلاميون لهم السبق في إشعال الفتيلة وهذا مشهود له واليسار في ذاك الوقت شارك مع نظام عبود في الحكم فصاروا سدنة لنظام عبود ودخلوا المجلس المركزي، ولكننا تناسينا هذه الحال واتفقنا جميعاً على إسقاط النظام ولكن تفوق اليسار في القدرات التنظيمية جعله يسيطر على الشارع وقتذاك، وكانت الشعارات آنذاك (لا زعامة للقدامى) ولا (أحزاب بعد اليوم) ونحن اتصلنا بهذه القوى التي أرادوا إبعادها وكونا الجبهة القومية الموحدة التي قوامها الأحزاب زائد جبهة الهيئات، فكونا مندوبينا في ذاك الوقت للتفاوض مع القوات المسلحة التي كانت محترمة جداً ولها قدسية، فحاولنا جميعاً سريعاً جداً تكوين حكومة فاتفقنا وقتها على عدد ثمانية مستقلين وأربعة تمثيل رمزي للأحزاب في مجلس الوزراء وفي الآخر اكتشفنا أن الذين شاركوا لم يكونوا مستقلين بل كانوا يساريين ولكننا قبلنا بالأمر الواقع لأن الأحزاب كانت صغيرة، ونحن ليس لدينا برامج سياسية وليس لدينا طمع في الحكم وقتذاك كحركة إسلامية لذلك تكونت الحكومة سريعاً برئاسة سر الختم الخليفة، وما جعلني لأن أسوق هذا القول هو أن المشهد في ذاك الزمان لم يكن فيه مظاهر كارثية فيما نحن عليه الآن من ظاهرة المليشيات العسكرية فكنا مطمئنين في السابق أنه لا يوجد شخص مدني حاملاً للسلاح، أضف إلى ذلك ظاهرة الوجود السياسي الأجنبي والذي حذرنا منه كثيراً فنحن بعد أكتوبر 1964م كل الذين كانوا يهرولون خلفنا هم دول المعسكر الشرقي، أما الناظر للحراك الآن فيرى الصورة قد اختلفت تماماً فهناك غياب تام لحاجة اسمها معسكر اشتراكي، لذلك فإن المستشار السياسي لبوتن قال هو منحاز للمجلس العسكري ويخشى من الوجود المكثف للأجانب في السودان ويوافق على تسليم السلطة لجهة منتخبة، والروس تبين أن لهم معرفة حقيقية بما يجري في السودان لأن لديهم مصالح مهمة فيه، كذلك مساعد وزير الخارجية الأمريكي الذي جاء للسودان مؤخراً فهو قد ذكر حديثاً مخيفاً ذلك عندما أشار إلى عدم موافقتهم على تسليم السلطة لجهة منتخبة وأبدى خشيته من أن السودان قد يسير في طريق ليبيا، وأنا شخصياً أرى تحت الرماد وميض نار وأخشى أن يكون له ضرام، فكل ما يُخشى على هذا الحراك الآن هو أن التحدي هو أن يكون سلمياً مثلما كُنا في أكتوبر وأنا في تقديري أن الحراك قد أدى مهمته والحلم لا بد من أن يتحقق في دولة حكم مدني بأسرع ما يمكن ولكن تبقى العقبة الكؤود هي في تشظي الأحزاب بما في ذلك الأحزاب الكبيرة.

** الحركة الإسلامية التي ما زالت تعيش حُلم التمكين والدولة العميقة وتتمترس هنا وهناك بما تنصحها مستقبلاً؟
ــ زوال الحكم ليس غريباً والدنيا ما دوامة وعلى الحركة الإسلامية أن (تسردب) في المرحلة القادمة ولابد من أن يعلم أهل الحركة أنها لو دامت لغيرهم لما آلت إليهم، وفي المدة الطويلة هذه لو كان هناك رشد لكانوا قد جردوا حساباتهم ولذلك أدعو كل القيادات السابقة إلى التفكير في عمل جديد، وأنا أعتقد أن أي حرمان لأي فصيل من شأنه أن يعيد لنا التجربة التي حدثت للحزب الشيوعي في مايو 1969م أيام الديمقراطية الأولى بحيث يجب أن لا يتكرر هذا الخطأ.
** البلاد تتحدث عن عدد ثلاثة انقلابات عسكرية وآخرها ما شهد اعتقالات وسط مدنيين ماذا هناك في اعتقادك؟
ــ أنا شاطب جداً حكاية المراهنة على الانقلابات العسكرية لأن المناخ غير مواتٍ الآن، والشعب السوداني بعد كل الذي حدث لا يقبل بذلك أضف إلى أن العالم قد أصبح صغيراً أو كل المؤسسات الدولية تقف ضد حاجة اسمها انقلابات، وأنا متألم للحديث حول الانقلابات وبمعرفتي لإخواننا المعتقلين والذين هم في الخارج لا يمكن أن يكونوا أغبياء في التفكير بانقلاب في ظل المناخ الموجود الآن، والمشكلة كلها التي أخشاها هو أن يكون هناك إضعاف للقوات المسلحة وإنهاك من الداخل إذ بكل أسف النظام السابق في أيامه الأخيرة نحى هذا المنحى، ويجب أن لا نكرر تجربة الشيوعيين في 1971م.
** هل أنت متحسر على ذهاب الإنقاذ؟
ــ أنا لا أتأسف على زوال الإنقاذ فالنظام بنفسه قضى على نفسه بسياساته الخرقاء، وسُبة بالنسبة للإسلاميين أنهم تابعوا رجلاً واحداً فالبداية تكمن في النقد الموضوعي لتجربة الحركة الإسلامية في الحكم.

حاوره : مزمل عبد الغفار

الخرطوم (صحيفة الإنتباهة)

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.