أحزان باقية

أحزان باقية


اذكر ان هند ابنتي وهي صغيرة لا يتعدى عمرها اربعة اعوام ..خرجت ذات مرة من البيت لوحدها ….هي لحظة انشغلت عنها باخيها الرضيع ..ظننتها رافقت ابيها عند خروجه لاحضار شئ من البقالة على رأس الشارع ..المهم عاد زوجي وسألني (وين هندوية ؟).. قلت له (ما معاك ؟ ما تهزر بالله ) ..لم انتظر رده …الجزع الذي بان على وجهه كان الاجابة التي لم اكن اريدها ..طفلة خرجت دون رفيق في بلاد غريبة ..خرج زوجي لا يلوي على شئ ..ومكثت في الشقة ..وحيدة انا في تلك البلاد لم استطع التصرف ..مرت على تلك اللحظات وكانها ايام ..طفقت ابحث عنها في كل اركان الشقة ..تحت الاسرة ..يا ربي اتقفلت في الحمام ؟؟..تكون دخلت المطبخ؟؟ ..الاسئلة تكاد تفتك بي ..هل تراها على قيد الحياة ؟ هل اختطفها احدهم ؟ هل صادفتها عربة مسرعة؟ ..عندما دخل زوجي وهو يحملها ..لم اتمالك نفسي ..بكيت وهو يحكي ..ان احد ضباط مركز الشرطة لاحظ ان فتاة صغيرة تتلفت في الشارع ..سألها عن اهلها ..لم يستطع تبين لهجتها ..فادخلها قسم الشرطة عسى ان يأتى من يتعرف عليها ..وقد كان .

كل ما اذكر تلك القصة ..ينقبض قلبي وتجتاحني ذكرى ذلك الألم الذي اختبرته لمدة ساعة لا اكثر ..ساعة فقط وصلت فيها حافة الجنون ومن ثم ردني الله الى عقلي ردا جميلا ..ترى كيف بامهات واهل المفقودين منذ ايام الاعتصام ؟؟ كيف تنقضي الساعات عندهم ؟ كيف يجتمعون حول صينية الغداء وفلان او فلانة غير موجودة ؟ كيف ينامون ..وهل يغمضون اجفانهم ام تراها تظل مفتوحة معلقة باحبال الامل ان يسمعوا خبرا ولو كاذبا عن اولادهم؟ ..

تكرم احد الاصدقاء بادخالي مجموعة تبحث عن المفقودين في الفيس بوك ..يجمعون المعلومات ..ويحدثونها كل فترة ..ينزلون صور المفقودين ويناشدون المجتمع للمساعدة ان وجدت ..تجدني اتابعها بقلق ..افرح عندما اجدت ملحوظة صغيرة (وجد حيا يرزق ) او حتى وجد مصابا وهو يتلقى العلاج ..المهم هو تلقى أنباء عنه ..لا شئ اكثر الما من احساس الترقب المؤلم ..فكرة ان تكون على شفا حفرة من الأسى ..كلما فتح باب تخليته هو ..كلما رن هاتف حوقلت وتعوذت من أخبار سيئة ..لا ادري ايها اكثر الما ..تلقي نبا استشهاد الابناء ..ام رؤية اسماءهم في عداد المفقودين ..؟ المؤكد ان الامرين احلاهما مر ..وجع الثكل لا يضاهى ..وألم الفقد لا يحتمل ..وان كنا نحن لا نستطيع مقاومة الدموع كلما ذكر اسم شهيد او مفقود فما بالك بذويهم؟؟ اللهم اربط على قلوبهم ..واسمعهم خيرا عن فلذات اكبادهم.

قضية مفقودي اعتصام القيادة ..لا يمكن ارجاؤها الى ما بعد الحكومة المدنية ..هناك حياة انسان على المحك ..ربما كان في امس الحاجة الى اسعاف ..ربما كان في حالة فقدان ذاكرة ..ربما كان محتجزا في مكان ما ..اولئك الذين اعترضوا على توقيع الاتفاق السياسي بحجة انه لم يشملهم ..وان المحاصصة اخرجتهم ..و المفاوضات تجرى على قدم وساق من اجل ارضائهم ..كل يطالب بحصة في المجالس ..ونسبة في البرلمان ..ونقول لهم ان هناك على الضفة الاخرى ..اناس معلقة أرواحهم بكلمة ..باتصال هاتفي ..بوجه صبوح يطل عليهم بعد غيبة ويعيد للقلوب نبضها…وللحياة معناها.

لا دخل لي بالسياسة ..ولا عندي رغبة في خوض غمارها ..لكني اعلم ان هناك قانون متفق عليه اسمه (الاهم ..فالمهم ) ..والاهم هو تكاتف الجميع في البحث عن المفقودين ..وانقاذ من يمكن انقاذه منهم ..لابد من تكاتف كل وسائل الاعلام للاعلان عن صورهم وصفاتهم ..علقوا صورهم على اعمدة الكهرباء ..على الجدران ..ارفعوها فوق اللافتات الاعلانية ..افسحوا مساحة صغيرة بين البرامج التلفزيونية للتنويه عن ضرورة الابلاغ عن المفقودين ..اقطعوا البرامج الاذاعية ..اكتبوا في كل مواقع التواصل الاجتماعي …ولو كان الامر بيدي لأمرت بتكوين غرفة متابعة تعمل على مدار الساعة تتكون من الشرطة وافراد من ناشطي المجتمع الطوعي ..لابد من تكاتف جميع افراد المجتمع ..انها نفس انسانية ومن احياها فقد احيا الناس جميعا…الله ( لا وراكم ) الم الفقد واحساس الترقب المشوب بالتوجس ..اللهم افرغ علينا صبرا.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.