الإدارة الأهلية..بين التوريث والانتخاب

الإدارة الأهلية..بين التوريث والانتخاب


في نظر البعض، هم مجرد أدوات تستخدمها الأنظمة الحاكمة لتحقيق أجندتها، ليس ذلك وحسب، فالمعارضون لهم يدمغونهم بالبحث عن مصالحهم الذاتية والتماهي الكامل مع من بيده السلطة والمال، وأصحاب هذا الرأي يعتقدون بأن أفضل القرارات التي اتخذها الرؤساء المتعاقبون على البلاد، كانت من نصيب الراحل جعفر محمد نميري حينما أصدر قراراً بحل الإدارة الأهلية، وبالمقابل وفي الضفة الأخرى من النهر يوجد من ينظر الى أدوار رجال الإدارة الأهلية في البلاد بالتقديري والاحترام، بل يعتبرونهم من ممسكات الوحدة الوطنية، وأن الأدوار التي يؤدونها أسهمت في تماسك لحمة البلاد، وبين رأي قادح وآخر مادح، فإن الظهور اللافت للإدارة الأهلية عقب سقوط نظام الإنقاذ، وضعها تحت المجهر وجعل البعض وفي سبيل إصلاحها يطالبون بانتخاب رجالها، فيما تمسك آخرون بالتوريث.
نظام راسخ
خلال الثلاثون عاماً التي استولى فيها الإسلاميون على مقاليد الحكم في البلاد، فإن الإدارة الأهلية واجهت رياحاً عاتية، كادت أن تذهب بها. وبحسب كثيرون، تراجع خلال العهد المباد تأثيرها على الشعبيين بعد أن فقدت ثقتهم لتبعية النظار للمؤتمر الوطني وحرصهم على تحقيق مكاسب شخصية وترسيخهم للقبلية التي وضعت البلاد في العام 2014 على شفا جرف هار، وفي عهد الإنقاذ سيئة الذكر، فإن رجال الإدارة الأهلية، وجهت ناحيتهم الكثير من سهام النقد التي شككت في أدوارهم، وبالمقابل فإن ذات الفترة المظلمة من تاريخ البلاد تحفظ للإدارة الأهلية عدد من المواقف المشرفة في حفظ النسيج الاجتماعي والحيلولة دون الانزلاق في مستنقع الصراعات القبلية في الكثير من أنحاء البلاد، بل سجل عدد مقدر من النظار والعمد مواقف للتاريخ وهم يرفضون الانصياع لرغبات المؤتمر الوطني وجاهروا بشجاعة عن مواقفهم وفي سبيل ذلك تعرضوا لحرب شرسة أفقدت عددهم منهم مناصبهم وأبرزهم وكيل ناظر البني العامر حامد محمد علي وناظري القمر والزيادية وكذلك ظل ناظرا الأمرأر والزغاوة والعمدة بادي بالنيل الأزرق من أبرز زعامات الإدارة الأهلية الذين دفعوا ثمن مواقفهم القوية باهظاً، وأخيراً فإن الإدارة الأهلية وبعد عودتها القوية للواجهة، فإن الآراء مجدداً تباينت حولها، فالبعض يعتقد بأن رجالها أكدوا أنهم “شعب كل حكومة” حينما سارعوا بدعم المجلس العسكري وغضو الطرف عن دماء شهداء وجرحى الثورة التي اقتلعت نظام البشير، وتم اتهامهم بالبحث عن المكاسب الشخصية وعدم الاهتمام بالقضايا الوطنية، ومضى البعض في اتهامهم بعيداً واعتبروا أن رجال في الإدارة الأهلية مثل “عداد الدفع المقدم” يقفون إلى جانب من يوفر لهم المال، بالمقابل فإن آخرين ينظرون إلى وقوف رجال الإدارة الأهلية إلى جانب المجلس العسكري من زاوية إيجابية ويعتبرونهم أنهم خط الدفاع الأول المسؤول عن تماسك البلاد اجتماعياً وأن دعمهم للمجلس العسكري يأتي انطلاقاً من واجبهم في الحفاظ على أمن السودان والحيلولة دون انزلاقه في مستنقع الصراعات والحروبات.
أساس البلاء
وفي خضم هذا التباين حول الإدارة الأهلية، فإن الآراء ذهبت إلى اتجاهات مختلفة، وهنا يعتقد عضو تشريعي ولاية نهر النيل السابق مصلح نصار، أن الإدارة الأهلية في كل أنحاء البلاد تم تأسيسها منذ العام 1989 ويؤكد بأنها على إثر ذلك، حادت تماماً عن أدوارها التي يفترض أن تلعبها من أجل المجتمع، ويقطع في حديث (للإنتباهة) على أنها لم تعد تحظى بتلك المكانة الرفيعة التي كانت تتمتع بها في الماضي. وقال “لم يعد مرغوب فيها ولا أحد يثق في رجالها “، ومضى نصار في حديثه مشدداً على ضرورة إعادة ترتيبها وصياغتها من جديد حتى تسترد ثقة المواطن وتعود لها كلمة مسموعة مثلما كان في الماضي، حينما كان الرعيل الأول من الإدارة الأهلية وقبل العام 1989 يقفون على الحياد ويجتهدون في خدمة المواطن بتجرد، بعيداً عن خدمة أجندة شخصية وسياسية، ويرى أن الطريق الى إصلاحها يمر عبر إلغاء مبدأ التوريث الذي قال إنه يأتي بنظار وعمد دون المستوى المطلوب من حيث الكفاءة والتعليم، معتبراً الانتخابات من الوسائل المتحضرة التي يمكنها أن تفرز رجال إدارة أهلية على درجة عالية من العلم والكفاءة وسعة الأفق والتجرد. وأردف”قبل أيام قليلة كنت شاهد عيان على حادثة مؤسفة تمثلت في إساءة ابن أحد النظار بصورة حادة وغير لائقة لوكيل الناظر في حضور والده الناظر، وقد قال الابن للوكيل إنه الناظر المرتقب وصاحب الكلمة الأولى والأخيرة”.
ويلفت نصار إلى أن أبرز أسباب كراهية نظام الإنقاذ من قبل المواطنين، تمييز الإدارة الأهلية وممارسة رجالها ظلماً واضحاً وأنانية. ويعتقد مصلح نصار أنها ستكون سبباً مباشراً في إضعاف المجلس العسكري الذي لجأ إليها أخيراً، وليس ذلك وحسب كما يقول، بل يتوقع أن تشكل خطراً حقيقياً حتى على الأنظمة الديمقراطية، لأن الإدارة الأهلية ليست لها ولاء ولا وفاء، ويتركز جل اهتمامها على مصالحها الشخصية وشعار البعض منهم “تدفع بس”.
استغلال وإصلاح
للقيادي البارز بشرق السودان أونور بيتاي وجهة نظر تبدو مختلفة بعض الشيء عن مصلح نصار، ويكشف عنها في حديثه (للإنتباهة) ويقول إن الإدارة الأهلية في فترة نظام الإنقاذ واجهت الكثير من المشاكل التي أسهمت في إضعاف دورها وتراجع تأثيرها، معتقداً بأنها رغم ذلك أسهمت في الحفاظ على استقرار المجتمع، ويلفت أونور إلى أن القبائل في بعض دول الإقليم يتم استغلالها لتحقيق الأجندة السياسية وتكون سبباً مباشراً في الحروب، غير أن الوضع في السودان يختلف بعض الشيء، ويقول أونور إن تجاوب الإدارة الأهلية مع المجلس العكسري، يأتي من واقع حرص قادتها على تدعيم الاستقرار الأمني في البلاد، ولكنه يستدرك ويشير إلى أن الإدارة الأهلية في السودان وبحسب معطيات الواقع تبدو في أمس الحاجة للإصلاح الحقيقي الذي يعيد إليها دورها المفقود، ويرى بأن الحل يكمن في إنشاء المزيد من النظارات استناداً على القوة السكانية والانتخابية، وأن يتم اختيار النظار عبر الانتخاب لأن العملية الديمقراطية تفرز قيادات مؤهلة وواعية ومدركة جيداً لدورها في رتق النسيج الاجتماعي وفض النزاعات وغيرها من مهام. وقال إن النظار يجب أن يكونوا من المتعلمين الذين يمكنهم الحديث بأكثر من لغة أجنبية وعلى درجة عالية من الثقافة والمواكبة، ويعتقد أن مبدأ الإرث في تداول الحكم في النظارات عفى عليه الزمن ولم يعد مواكباً للمستجدات التي طرأت على العالم، وينوه إلى أن الجيل الشاب يريد من يفهم لغته وثقافته وأن هذا يحتم انتخاب نظار وعمد على درجة عالية من التأهيل والتعليم .
الحفاظ على الإرث
بالمقابل يوجد من يؤكد على أن الإدارة الأهلية ومنذ الحكم البريطاني ظلت تحافظ على نظامها الراسخ في الحكم القائم على التوريث، وفي هذا الاتجاه يذهب المانجيل الشيخ أدهم، ويبدأ حديثه (للإنتباهة) بالإشارة إلى وجود رجال الإدارة الأهلية في الخرطوم هذه الأيام، ويقول: أعتقد أن غايتهم نبيلة وهدفهم سامٍ ويتمثل في تجنيب البلاد ويلات الانزلاق إلى مربع الفوضى الأمنية، والتفويض الذي حمله وفد الإدارة الأهلية بالنيل الأزرق الموجود في الخرطوم ينص على التواصل مع كافة الأطراف وعلى رأسها المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير من أجل الإسراع في اختيار الحكومة ونبذ الخلافات والصراعات، ويمضي المانجيل أدهم في حديثه، ويعتبر أن نظام الحكم في الإدارة الأهلية في السودان معروف منذ عهد المستعمر الإنجليزي ويرتكز بشكل مباشر على مبدأ التوريث. ويعتقد بأن إخضاع اختيار النظار والعمد للانتخاب من شأنه أن يفقد الإدارة الأهلية مميزاتها وصفاتها ويحول عملها إلى سياسي. وأردف: ستفقد الإدارة الأهلية معناها إن تم إلغاء التوريث لإفساح المجال أمام الانتخابات،لأن هذا يتيح لكل شخص أن يستقطب أكبر عدد من الأنصار حوله، وأن يفوز، ولكنه بعد ذلك لن يحظى بالاحترام الذي يجده الناظر الذي يتولى المسؤولية عبر التوريث، لأن الذي وقف خلف انتخابه يمكن أن يحاسبه ولا ينساق لتوجيهاته، ورغم رفض المانجيل الشيخ أدهم مبدأ الانتخاب في اختيار رجل الإدارة الأهلية، إلا أنه يعترف بأنها تحتاح إلى إصلاح لأنه يعتقد بأن بعضاً من رجال الإدارة الأهلية انجرفوا نحو العمل السياسي وتركوا مهمتهم الأساسية، ويفاخر بالإدارة الأهلية بالنيل الأزرق التي يؤكد على أنها ماتزال تتمتع بمكانتها وتحظى باحترام وقبول المجتمع وذلك لأنها تقف على مسافة واحدة من الجميع وتتعامل مع الحكومات في إطار توفير الخدمات للمواطنين وحل مشاكلهم.
تحليل عميق
من زوايا مختلفة يعمل المختص بشؤون الإدارة الأهلية بدارفور،عبد الـله إسحق نيل، مبضعه في التحليل والتشخيص، ويلفت في حديث (للإنتباهة) إلى أن الإدارة الأهلية كيان اجتماعي أهلي ويختلف من ولاية إلى أخرى في نظامه، غير أن إسحق ينوه لأمر مهم يتمثل في أن الاتهام الذي يوجه إلى كل النظار بالتبعية المطلقة للأنظمة الحاكمة يعد غير صحيحاً ويضرب مثالاً بعدد من النظار في دارفور دفعوا ثمن مواقفهم الناقدة للأداء الحكومي وأبرزهم ناظرا القمر والزيادية اللذين يصفهما بقوة المواقف وقال إنهما نتيجة إلى ذلك تعرضا لضغوط وإقصاء إلى أن تم عزلهما، ويشير إلى وجود نظار ظلوا يقفون على مسافة واحدة من المكونات السياسية والحكومة وعدم انحيازهما لأحد الأطراف حفاظاً على مكانتهما بوصفهم رجال إدارة أهلية وضرب مثلاً بناظرا المعاليا والفلاتة “الراحل السماني ” ، معتبراً أن فترة الإنقاذ تعتبر الأسوأ في تاريخ الإدارة الأهلية، لجهة أن من يخالف النظام والمؤتمر الوطني كان يتعرض لكافة أشكال التهميش والضغط والإفقار، وصولاً إلى الإضعاف الكامل، معتبراً المؤتمر العام الذي أقيم أخيراً للإدارة الأهلية يعتبر الأول في تاريخها، وأنه من شأنه أن يسهم إيجاباً في مستقبلها، وأن يقودها إلى الإصلاح المأمول .
الديمقراطية أولاً
ويمضي الخبير في شؤون الإدارة الأهلية بدارفور، عبد الـله إسحق نيل، في حديثه وينظر الى إسناد الإدارة الأهلية بالسودان المجلس العسكري من زاوية حكمة وخبرة وحنكة وحرص رجال الإدارة الأهلية على استقرار السودان أمنياً والحيلولة دون انزلاقه إلى مستنقع الصراع العسكري والأمني، ورغم استحسان إسحق لموقف الإدارة الأهلية هذا، إلا أنه ينوه إلى أن موقفها الداعم للمجلس العسكري وضعها أمام سيل من الانتقادات التي تدمغها بالانتهازية لإجهاض الثورة والعمل على تنفيذ أجندة الدولة العميقة. وقال إن موقفها هذا بغض النظر عن الآراء المتباينة حوله، فقد فرضته ضرورة المرحلة التي تمر بها البلاد، ولكنه في المستقبل سيشكل تركة ثقيلة على الإدارة الأهلية التي سيأتي يوم ويتم اتهامها بالوقوف مع العسكر.
ويعتقد إسحق أن المجلس العسكري مطالب برد التحية بأفضل منها إلى الإدارة الأهلية، وذلك بالعمل على تقويمها وإصلاحها من أجل مصلحة البلاد وليس الأنظمة الحاكمة وأن يعمل على إعادة الهيبة إليها عبر عدد من الآليات، منها إعادة المحاكم الأهلية لجهة أن البلاد شاسعة ولاتتوفر في كثير من أنحائها أجهزة الدولة القضائية والنيابية.

ورغم كل ما ذكره يبدو إسحق مؤيداً لمقترح انتخاب رجل الإدارة الأهلية.
وقال إن هذا النظام سائد في عدد من القبائل بدارفور، وأبرزها قبيلة المعاليا، ويعتقد بأن الانتخاب يضع المسؤول أمام مواجهة النقد والرقابة، وهذا يساعده على تجويد أدائه والاتصاف بالشفافية والعمل من أجل المصلحة العامة.
ويعود عبد الـله إسحق ويشدد على ضرورة تمكين الإدارة الأهلية حتى تتمكن من أداء دورها بعيداً عن تأثير الأنظمة الحاكمة.

تقرير : صديق رمضان

الخرطوم (صحيفة الانتباهة)

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.