أبرز ضحايا تعذيب النظام السابق “زين العابدين الطيب” يقول :أحمد هارون أول من عذبني بشكل مباشر وآخرون

أبرز ضحايا تعذيب النظام السابق “زين العابدين الطيب” يقول :أحمد هارون أول من عذبني بشكل مباشر  وآخرون


28 عاماً قضاها زين العابدين الطيب عثمان بعيداً عن السودان كأول ضحية تعذيب بعد مجيء نظام الإنقاذ في 1989م بانقلاب قوض الديمقراطية.. الزين لم يشأ أن يمر بتجربته المريرة فعمل بمعية آخرين على تأسيس أول منظمة من نوعها في المنطقة العربية وإفريقيا ليكون رئيس المجموعة السودانية لضحايا التعذيب لفترة عشر سنوات، وحالياً رئيس المؤسسة الأمريكية الإفريقية لمناهضة التعذيب في نيويورك.. (السوداني) التقته عقب وصوله إلى الخرطوم في ميدان الاعتصام..

• برغم صغر سنك إلا أنك فارقت السودان مبكراً.. فما هي كواليس الخروج؟
بعد الانقلاب تم اعتقالي ثلاث مرات، وكان الاعتقال الأول في سنار حيث اتهمت بعلاقاتي بالقيادات الجنوبية والعمل المسلح، وذلك بحكم أنني من الداعمين لمبادرة السلام السودانية بين الميرغني وقرنق، فضلاً عن حرصنا على مسألة الوحدة، وما يهم كما قلت تم اعتقالي في سنار وأول من عذبني بشكل مباشر كان المجرم أحمد هارون بمعية الطيب محمد أحمد الجزار وشخص آخر يدعى مجدي والطاهر (العوير)، عموماً في هذه الفترة من الانقلاب كان التعذيب أقل نوعاً ما.
• تقصد أن هارون لم يصدر تعليمات فقط؟
نعم، فقد عذبني هو ومن معه، ولذلك كانت أول قضية شخصية رفعت في المحكمة الجنائية ضد هارون قضيتي.. وفي عام 2016م عندما حاول دخول المملكة العربية السعودية لأداء الحج، قالت السلطات السعودية إن هذا الشخص أي هارون إذا وصل إلى أراضيهم سيقبضون عليه وأعادوا الطائرة.
• هذا الاعتقال الأول؟
الاعتقال الثاني جاء بعد ثلاثة أشهر حيث اعتقلت فيما يعرف بالعمارة وبعدها إلى بيوت الأشباح ووقتها اعتقلت على خلفية حملي لنشرة ميثاق التجمع من منزل سيد أحمد الحسين، ونجحت في الخروج والهروب من المراقبة حتى دخلت مكتب أحد المحامين الكبار في شارع الجمهورية ولأنني كنت أشعر بالخطر قررت التخلص من (الشمعة) المطبوع عليها النشرة، فدخلت الحمام للتخلص منها لكن المياه كانت مقطوعة فلم أجد سوى (جركانتين) بنزين، فحملت إحداهما وأفرغتها حتى تخلصت من النشرة، لحظتها اقتحم (الأمنجية) باب الحمام ولم يجدوا شيئاً سوى رائحة البنزين، وتم اعتقالي وأخذت في المعتقل شهرين..
أما الاعتقال الثالث جاء عقب عودتي إلى السودان بعد أن قمت بتوصيل (شغل) وعندما عدت ظنوا أنني أحمل شيئاً وبالتفتيش لم يجدوا أي شيء، فسعوا للإيقاع بي عبر دس بيان ما كان قد صدر بالفعل عن طريق شخص تم اعتقاله وجندوه لهذا الغرض، وبالفعل تم إيقافي وعندما قاموا بتفتيش العربة وجدوا نسخة البيان، وتم اعتقالي لأخذ شهراً تحت التعذيب المتواصل الأمر الذي أدى إلى شلل كامل لنصفي الأيمن ما دفعني لإجراء أكثر من 10 عمليات.
• وكيف عرفت أن ذلك الشخص قام بدس البيان؟
قام هذا الشخص في وقت ما بالاعتراف لأحد أصدقائه بذلك الموقف.
• قلت إن الفترة الأولى كان التعذيب فيها أقل.. لماذا؟
لأن الأجهزة وقتها كانت ما تزال أجهزة الديمقراطية وطابعها احترافي أكثر فهناك التحقيقات والتحريات أما بعد ذلك فكان هناك الضرب بالكهرباء والمروحة والضرب على الرأس والمناطق الحساسة..
• ذاتياً حزت على لقب كبير ضحايا التعذيب، فما سر اللقب والتسمية؟
بغض النظر عن المبرر إلا أنه اكتسب صفته عندما جاءت فكرة تأسيس المجموعة في 1994م، وتم تنفيذها بشكل جميل برغم الانتقاد الكثيف الذي تعرضت له من منطلق أن كثيرين يرونها جزءاً من عمل المنظمة السودانية لحقوق الإنسان..
• وماذا كان منطقكم؟
فهمنا أن حقوق الإنسان شاملة وكبيرة وما نريده نحن التخصص فالتعذيب جزء من حقوق الإنسان، وفي النهاية تفهم كثيرون غرضنا.. ولا بد أن أشير إلى من أسهموا بشكل أساسي في مرحلة التأسيس الأولي وهم الإخوة علي العوض وعبد الرحمن الزين ومحمد أبو ستة.. فضلاً عن شخصين كانا دعماً لنا في الفكرة وأشيد بدورهما، هم الأستاذ فاروق أبوعيسى وكان نقيب المحامين العرب وقتها، والأستاذ الراحل أمين مكي مدني..
• ماذا عن ذكريات التأسيس؟
تأسيس المجموعة كان جميلاً جداً رغم تزامنه مع أحداث أخرى في القاهرة كمحاولة اغتيال وزير الداخلية المصرية.. عموماً تم إعلان المجموعة من مقر اتحاد المحامين العرب برغم وجود عروض من الجامعة الأمريكية ودار الحزب الوطني لاستضافتنا، لكن لحساسية المسألة وخصوصية اتحاد المحامين نجحنا في الإعلان من داخله.. بعد الإعلان لم يكن لدينا مقر وكنا نقتطع من زادنا لتسيير العمل، وبدأ صوت المجموعة في الارتفاع برصد كل الانتهاكات في السودان وازعجنا النظام بشكل كبير وتأكد ذلك في اعتداء أجهزة النظام بالخارج عليَّ شخصياً..
• كيف ومتى تم ذلك؟
تم ذلك خلال المؤتمر الدولي للسكان الذي تقيمه الأمم المتحدة بقاعة المؤتمرات بالقاهرة عام 1994م، وقتها كنا في المنصة شخصي ود.فاروق أبوعيسى وفاطمة أحمد إبراهيم ود.أمين مكي مدني وفاروق أحمد أبراهيم، وقتها جاء وفد نظام الخرطوم وفيه أمين المال بمنظمة الدعوة الإسلامية د. يونس عبد الرحمن، وكنت أتحدث عن الانتهاكات في السودان وممارسة التعذيب.. وشهدت الندوة مقاطعات متعددة من قبل وفد النظام، ولدى خروجنا في مسيرة اعتدى عليَّ هذا اليونس وضربني حتى نزفت، لكن فاطمة كانت بالمرصاد فضربته في وجهه. وتسلمته أجهزة الأمن في القاهرة، وتم ترحيل الوفد من المؤتمر، في ظل تعجب أجهزة الإعلام والحقوقيين..
• هل لتجربتك الشخصية أثر في تأسيس المجموعة؟
بالتأكيد جزء من الأمر التجربة الشخصية، عندما كنا في بيوت الأشباح لم نكن نظن أننا سنخرج على قيد الحياة، بسبب ما مورس علينا.. وكنا نفكر ماذا يمكن أن نفعل إذا خرجنا، صحيح كنا نشعر بالغبن لكن ما ظل مسيطراً هو ماذا يمكن أن نفعل؟.. بعد خروجي مصاباً بالشلل في جانبي اليمين كله، خرجت خلسة إلى مصر، وهناك حقيقة شعرت أنني محتاج إلى علاج نفسي، وسألت أحد الناشطين المصريين عن أي طبيب نفسي، فأخبرني عنه أحدهم الذي أصبح فيما بعد صديقي، وقتها اندهش من إصراري على ذلك، وأوحت تجربتي معه لأن يأسسوا مركزاً لعلاج ضحايا العنف. وأعتقد أن أكثر ما أفادني هو العلاج النفسي، وأنصح بذلك كل ضحايا التعذيب والعنف بالعلاج النفسي.
التجربة الشخصية أيضاً ساهمت بعد ذلك في حرصنا على أن يخضع أي ضحية للعلاج النفسي، وكانت الصعوبة تكمن في عدم اقتناع الكثيرين.. ونفخر في المجموعة بدعم الكثيرين، حيث استطعنا تقديم أشياء جيدة في مسألة العلاج، فضلاً عن فضح النظام والقائمين على التعذيب ومقاضاتهم.
• هل قمتم برصد وتوثيق الانتهاكات وكم بلغت؟
نعم لدينا ملفات لكم هائل من الضحايا منذ مجيء الإسلاميين وحتى الآن، حالياً 1750 محصورة ومستكملة للأوراق القانونية فضلاً عن اكتمال الـ(انترفيو) مع الضحية..
• 30 عاماً و1750 حالة فقط؟
• لا هذه كما قلت المكتملة تماماً، أما الحالات المحصورة بشكل عام ولم تكتمل إجراءاتها 15 ألف حالة محصورة. فضلاً عن توثيقنا للحالات عبر تمثيل طريقة التعذيب التي مورست عليها، وأصبح لدينا معرض كبير سيتم عرضه لاحقاً من 38 شكلاً من أشكال التعذيب.
• هناك إجراءات ولقاءات لاستكمال الملفات، فكيف وثقتم ما تم بداخل السودان أم أن هناك حالات سقطت؟
على العكس كان هناك تواصل مع الحالات داخل السودان عبر قنوات تتطلب السرية، وحتى الآن ما تزال السرية مطلوبة لحرصنا على أي شخص حتى لا يتعرض لأي مخاطر خصوصاً في عمل الداخل..
• هل أنت راضٍ عن الأداء؟
راضي تماماً عن أداء المجموعة، لا يعني أنها بلا أخطاء لكن يتم معالجتها أول بأول باكتساب الخبرات والتكرار.
• باستثناء التقاضي ما الذي تقدمه المجموعة؟
مسألة التعذيب لا تشمل الضحية كفرد فقط، بل تؤثر فيمن حوله وأسرهم ونحن دورنا أن يشمل التأهيل جزءاً من الأسر كالأطفال الذين تضرروا من ممارسات النظام والذين تأثروا نفسياً بسبب سلوك النظام.. وهناك أشياء أخرى كدعومات بأشكال أخرى للأسر.. مسألة كشف القائمين على أمر التعذيب كانت ضرورية ومهمة جداً ومزعجة لمن يمارسونه، لدينا لم يتم الكشف عنهم سيتم وستكون مقاضاتهم بالملفات المعدة، وكشفنا الكثيرين حتى من القيادات ممن شاركوا أو أمروا بذلك.
• ولماذا تتكتمون على بعضهم؟
لا نحن غير متكتمين ولكن الحال الموجود حالياً غير مناسب، فالوضع لم يستقر بعد، لأن النظام سقط جزئياً بالتالي لا بد من تحسس أرجلنا حتى نكون حريصين.. كنا نأمل أن القائمين على الحكم الآن في التغيير يكونون أكثر حرصاً على حقوق الإنسان، فالآن حرصهم على نصيبهم في السلطة وللأسف هذا مؤشر غير مطمئن بالنسبة للمجلس العسكري، وأظن أن الشكل الهزيل والمذل استقالة شخص كصلاح قوش ولم تتم إقالته، شخص بهذا الجرم لم يقال من موقعه بل استقال بعد أن حمل أوراقه وجمع أشياءه كأنما هو من يرفض العمل برغم كل ما فعله. بالإضافة إلى الضبابية الماثلة في اعتقال قيادات سياسية ساهمت في انتهاكات حقوق الإنسان كـ علي عثمان في أكثر من تجربة سواء في الجنوب (شوت تو كل) وقوله إن كتائب الظل موجودة، بالتالي لا نحتاج إلى نائب عام إزاء ذلك لأنه تحدث على الهواء فلماذا لم يقدم إلى الآن للمحاكمة.. كذلك لماذا لا يسمح للمتخصصين كالمنظمات الحقوقية والقانونيين في أي دولة يحق لهم أن يزوروهم بالتالي لم يعرف كم شخص تم اعتقاله؟..
• منطقكم ودوركم دفاعي، حالياً بعد الثورة لم نشهد مشروعاً لكم يتحدث عن إعادة تأهيل الأجهزة والمؤسسات العسكرية بعدم التعذيب في المناهج؟
حقيقة نحن أعضاء في قوى الإعلان وتجمع المهنيين.. كلاهما وأعين تماماً لذلك، لنا دور في الفترة القادمة لكن هناك خللاً مفاهيمياً للتغيير الماثل فالجو غير ملائم، والثورة لم تكتمل ما حدث في 8 رمضان و10 رمضان أشارات غريبة، ففي ظل ثورة عسكر يضرب الناس بالسياط هذا غير مقبول لأنه نموذج لدولة بوليسية.. هذه هي الإشكاليات بالتالي لا توجد ثقة في أن هناك تغييراً لكشف الورق.
حالياً نحن على اتصال مع المنظمات والمحكمة الجنائية ونوصل كل الممارسات الخاطئة يومياً فمن حق الشعب علينا..خصوصاً وأن المجلس العسكري هو المسؤول لأنه نصب نفسه رأس الدولة الآن. مسؤول عن جنوده إذا هم جنوده أوطرف ثالث إذا كان طرف ثالث.. هذه الممارسات مسؤولية المجلس.. إذا كان تبعه مصيبة أما إذا لم يكن مصيبة أكبر.. لنا أكثر من شهر فلمَ لم يعتقلهم..
• ظل دوماً سيف التخوين والاختلاسات في التمويل سيفاً مسلطاً على المنظمات.. كيف تعاملتم مع ذلك؟
نحن بدأنا بلا مقر ولم نسع للتمويل ولم نبحث عنه، فقط بدأنا عملنا وصرفنا نحن على المنظمة طيلة مرحلة التأسيس، لكن بعد الوصول لمرحلة محددة، فإن المنظمات ترى عملك وهي من تأتيك، وبالفعل جاءت . وأي منظمة تستمر لفترة طويلة يعني ذلك أنها تعمل بشكل جيد وشفاف فالمؤسسية من أساسيات نجاح العمل العام..
• هل ساهمت تجربتك في تعطيل حياتك الخاصة؟
تزوجت منذ عامين ونصف، لكن عندما تفعل شيئاً تحبه لجهة تحبها، فذلك قمة المتعة، بالتالي أنا غير نادم على أنني تأخرت وفخور بكل شيء.
• كيف وجدت السودان بعد 28 عاماً من المنفى؟
وجدت السودان الجديد جميلاً، وجماله قمر 12 لم يكتمل بعد للصورة التي نسمو إليها وتسمو لها الجماهير التي خرجت والشهداء، لكن ما رأيناه في قوة الشباب وإصرار الجماهير وشباب القيادات السياسية الذي تجدد مع حركة طرح الشباب يطمئننا أننا نسير في الطريق السليم.

حوار: عمرو شعبان

الخرطوم (صحيفة السوداني)

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.