هل سيقطف بن زايد وبن سلمان ثمرة الثورة السودانية؟

هل سيقطف بن زايد وبن سلمان ثمرة الثورة السودانية؟


قبل عامين من الآن؛ انتفخت أوداج الرئيس السوداني حينها عمر البشير عندما امتدح ولي العهد الإماراتي محمد بن زايد تبرعه بلعب دور محوري في حرب اليمن، ويجعل من ذلك وصية لعياله وأحفاده؛ كان بن زايد وقتها يغرس في عضل البشير مخدراً طويل الأجل.

 

ذات النشوة قفزت إلى عينيْ البشير وهو يبصر جلالة الملك سلمان ينتظره -على غير العادة- على سلم الطائرة التي حطت بمطار الرياض في أحد صباحات شهر مارس/آذار 2015. لم يستوعب الرئيس البشير حقيقة أن تحالفه مع محور القاهرة/الرياض/أبو ظبي ليس سوى رحلة مؤقتة، وستنتهي بالخروج الآمن من جبال اليمن أو قضاء الأجل السياسي.

 

في ذات الوقت؛ كان الرئيس متردداً في إنفاذ الشروط التي يمليها المحور الثلاثي. لم يكن بإمكانه تصفية مؤسسات الحركة الإسلامية التي ارتضت أن يركب على ظهرها ثلاثين عاماً، لكن ذات الحركة قبلت أن تسمح له بذبحها وجعلها قرباناً يتقرب بها زلفى للذين ينظرون للتيار الإسلامي العريض بأنه شيطان يستحق الرجم.

 

بل حاول الرئيس البشير -في إطار لعبة المناورة التي يجيدها- إرسال رسالة إلى المحور الثلاثي بأن له عدداً غير قليل من الخيارات؛ فرحب في ديسمبر 2017 بزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للخرطوم.

 

وقد أفاض البشير في تكريم ضيفه والاحتفاء به في تخوم سواكن ذات التاريخ المشترك بين السودانيين والعثمانيين، والتي تقف في قبالة السواحل السعودية. بل إنه مضى إلى أكثر من ذلك حينما أكد في أغسطس 2018 أمام اجتماع شورى الحزب الحاكم (وقتها) بأنه إسلامي كامل الدسم.

 

لم تكن خطوات البشير التصعيدية إلا رد فعل لتمنّع الإمارات والسعودية من مد يد العون له في أزمته الاقتصادية المتصاعدة، فقد كانت صفوف السيارات العطشى للوقود تتمدد على مدى البصر بينما الحليف السعودي يصدّر يومياً أكثر من عشرة ملايين برميل من النفط.

 

ومن أزمة الوقود تتفرع أزمة القوت، حيث رفعت مصارف الإمارات يدها من تمويل صفقات شراء القمح. وفي نهاية المطاف؛ يعجز نظام البشير حتى عن طباعة النقود التي يتعامل بها المواطنون، في سابقة لم يشهدها التاريخ الإنساني.

 

في أغلب التقديرات؛ فإن هذا المحور الثلاثي كان ينتظر سقوط البشير على أيدي حلفائهم من الداخل في عملية محدودة (سنعود لذلك السيناريو مفصلاً)، لكن المفاجأة غير المتوقعة كانت عامل الشارع الذي خرج زرافات ووحدانا ضد حكم الطاغية.

 

هنا كانت اللحظة المناسبة للانقضاض على الرجل، ومن ثم سرقة الثورة عبر تمكين العسكر الجدد وإغلاق الأبواب أمام أي تحول ديمقراطي حقيقي في السودان يرد السلطة إلى الشعب.

 

فقد بات واضحاً أن تصريحات الفريق عبد الفتاح البرهان ونائبه الفريق حميدتي يجمع بينها الولاء للمحور الثلاثي؛ حتى إنهما اختارا أن تكون أول إطلالة إعلامية لهما في الإعلام الخارجي عبر قناة “العربية”، التي تمتلكها السعودية وتستضيفها الإمارات.

 

ومن الشواهد على ذلك سرعةُ تأييد التغيير من الحلف الثلاثي ضد نظام كان يُعدّ في خانة الأصدقاء المقربين؛ فقد تولت القاهرة ملف حشد التأييد الإقليمي عبر رئاسة المشير عبد الفتاح السيسي للاتحاد الأفريقي، الذي لم يطبق على الخرطوم قواعده المتعلقة بفرض عقوبات على منظمي الانقلابات العسكرية.

 

بينما تولت الرياض وأبو ظبي توفير العون المادي عبر تقديم حزمة الثلاثة مليارات دولار، التي تعتبر الدفعة الأولى لشراء الرضا الشعبي وتوطيد أقدام العسكر.

الاتجاه الثاني للحلف الثلاثي كان عبر اختراق القوى المدنية التي تمتلك تأييداً بين الشارع الثائر.

 

وقد كشف عن تلك الخطط الأستاذ ياسر عرمان القيادي في الحركة الشعبية المتمردة، والذي يصنف كأحد قادة اليسار العريض في السودان. كما أن أبو ظبي عرضت خططاً لاستضافة لقاء استكشافي يجمع بعض قادة الحركات المتمردة.

لكن خطط سرقة الثورة السودانية أو تجييرها ليست مسألة سهلة؛ فالحلف الثلاثي ليس على قلب رجل واحد، وإنما يجمع الجميع فقط العداء للإسلام السياسي. السودان يقع في المجال الحيوي لمصر والذي دونه الحرب، ولو كانت مصر في عافيتها لما سمحت للتمدد الخليجي في الشأن السوداني.

 

مصر لا تفضل نظاماً ديمقراطياً في السودان خوفاً من العدوى السياسية، أما الرياض وأبو ظبي فيمكنهما أن تتعايشا مع ذلك ولو إلى حين. مصر تراهن على قائد محافظ من الجيش السوداني بمواصفات الفريق عبد الفتاح البرهان، بينما بن زايد وبن سلمان يرغبان في شاب جامح يشاطرهما رؤى التغيير السريع، وليس هنالك من تنطبق عليه تلك المواصفات سوى الفريق حميدتي.

 

في تقديري؛ لن يسمح الشعب السوداني الثائر لكرامته بسرقة ثورته ولو كان ثمن ذلك رغد العيش. كما أن هنالك قوى سياسية مثل حزب الأمة عُرفت بحساسيتها للتدخل الأجنبي وامتلاكها لشعبية واسعة، وقوى أخرى من النظام القديم ستدرك أنها شربت السم على أيدي الأصدقاء، وتسعى للثأر.

 

كما أن المناخ السوداني العام يعارض الانخراط في تحالفات إقليمية، مما يشكل عامل ضغط في ظل نظام ديمقراطي يبحث عن رضا الرأي العام. لكن كل ذلك لن يمنع من أن يكون السودان الجديد ساحة استقطاب واسعة وصراع أجندة متنافرة مثل لبنان.

تحليل : عبد الباقي الظافر – صحفي ومحلل سياسي
الخرطوم : (الجزيرة نت)

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.