تتصاعد تطورات الأحداث بالبلاد هذه الأيام بوتيرة متسارعة، وفي خضم ذلك برزت مطالبات ذات أصوات عالية، تطالب رئيس المجلس الوطني البروفيسور إبراهيم أحمد عمر، بقطع إجازة البرلمان التي لم يمر عليها سوى ثلاثين يوماً، في أعقاب فضه لدورته الثامنة، وتأتي الدعوات من أجل مناقشة الهيئة التشريعية للأوضاع الراهنة بالبلاد، من احتجاجات وقتلى وارتفاع في أسعار السلع، وكان البرلمان قد ختم مداولاته بعقد جلسة عاصفة، استدعى فيها وزير الداخلية أحمد بلال عثمان، حول أحداث الاحتجاجات .. المطالبات التي جاءت من نواب بالبرلمان لم يرد عليها رئيس البرلمان حتى الآن بالرفض أو بالقبول، في وقت تباينت الآراء حول أهمية عقد جلسة في هذا التوقيت من عدمها.
جلسة طارئة :
وكان قد رفع نائب رئيس كتلة المستقلين النائب بالمجلس الوطني مبارك النور عقيرته، مطالباً باستدعاء البرلمان لعقد جلسة طارئة لمناقشة الاحتجاجات والمظاهرات واتخاذ قرارات، وطالب النور رئيس البرلمان بإصدار بيان يبدئ فيه رأي المجلس عن الاحتجاجات، وقال: (نقول لرئيس البرلمان إن الشعب ينتظر منك موقفاً قوياً)، وشدد النور في تصريحات بالبرلمان، على ضرورة أن يقف المجلس وقياداته وأعضاؤه مع المواطن، وأضاف لا يمكن أن يصمت المجلس في هذه الأيام، والبلاد تشهد موجة احتجاجات بسبب الغلاء، وارتفاع تكاليف المعيشة، وأضاف نطالب رئيس البرلمان بأن يشعر بما يشعر به المواطن (من ألم وغلاء)، وتابع نحن نطالب بأن يعقد المجلس جلسة طارئة لمناقشة الاحتجاجات، واتخاذ قرارات لصالح المواطن وأمنه، لافتاً إلى أن البرلمان يعقد جلسات طارئة لقضايا أقل أهمية مما يجري.
وقال النور لـ(آخر لحظة): إذا كان البرلمان حادباً على مصلحة المواطن، يجب أن يتداعى لجلسة طارئة، لمناقشة قضايا الاحتجاجات، التي تشغل الساحة الآن، وتابع نحن كنواب يجب علينا أن ندعو قيادة المجلس لقطع الإجازة، والترتيب لجلسة طارئة على أعجل ما تيسر، لأن الوضع أصبح حرجاً، وأن البلاد تمر بأزمة حادة، تصحبها محنة صعيبة تتطلب وقفة جادة من البرلمان والنواب حيالها، وزاد بالقول إن ما يحدث في الشارع الآن لا يختلف حوله اثنان، وفي سياق حديثه طالب النور نواب المؤتمر الوطني بالتضامن معهم، لأجل استدعاء البرلمان للجلسة الطارئة.
ومن جهته قال نائب رئيس حركة الإصلاح الآن حسن عثمان رزق (مامكن البلد تشهد كل هذه الأحداث والمجلس الوطني في إجازة)، وتابع بالقول: الاحتجاجات وصلت إلى مراحل تفوق الخيال، خاصة بعد حادثة مقتل أستاذ خشم القربة، رزق أشار إلى أن مثل هذه الأحداث تتطلب تفاعلاً حياً من البرلمان حيالها، لكنه عاد واستبعد في ذات الوقت أن تقدم رئاسة البرلمان على اتخاذ التدابير لقطع الإجازة ومناقشة الأحداث الأخيرة عبر جلسة طارئة، مرجعاً الأمر إلى خضوع رئيس البرلمان إلى توجيهات حزبه، بصفته يشغل عضوبة المكتب القيادي للمؤتمر الوطني، بجانب رئاسته للبرلمان.. الأمر الذي يجعله مقيداً في اتخاذ التدابير المطلوبة- بحسب قوله.
المشكلة الأكبر:
وبدوره يرى رئيس الدائرة القانونية السابق بالبرلمان القيادي بالمؤتمر الوطني محمد الحسن الأمين، أن الاحتجاجات التي حدثت مؤخراً، تزامنت مع خواتيم جلسات البرلمان، الأمر الذي أدى إلى مناقشتها باستفاضة، عبر استدعاء عدد من المسؤولين في الحكومة، عن ماهيتها والمعالجات التي تمت لاحتوائها، وأكد أن استدعاء البرلمان لجلسة طارئة لا يمثل مشكلة، بقدر استمرارية الاحتجاجات والتي كانت هي المشكلة الأكبر، وليس إجازة البرلمان، وأشار إلى أن المجلس الوطني على الدوام يخضع للإجازات الراتبة لنوابه، وفق اللائحة الداخلية المنظمة لأعماله. وقال الأمين: إن السبب الوحيد الذي بموجبه يمكن استدعاء النواب وقطع إجازة البرلمان لجلسة طارئة، هو في حالة إعلان البلاد لحالة الطوارئ، وماعداه متروك لرئيس البرلمان، وتابع أن المطالبة لجلسة طارئة لا يقدح في شأن البرلمان في حلحلة القضايا، عبر المداولات والمساءلات للمسؤولين، لكن القضية شائكة وذات أبعاد تنفيذية ظلت مقصورة على الجهاز الحكومي وليس التشريعي كما يعتقد البعض. بالمقابل يرى القيادي بالمؤتمر الشعبي ابوبكر عبد الرازق أن مسألة استدعاء البرلمان لجلسة طارئة أمر طبيعي يتماشى مع دورات البرلمان العادية، وقال إن طبيعة الأحداث الاستثنائية تتطلب استدعاء البرلمان وقطع إجازته، سيما الإفرازات السالبة التي صاحبتها من الإفراط في استخدام القوة بجانب مسألة البت في معالجات مكامن الخلل، الذي أدى إلى نشوب تلك الاحتجاجات، وهذه متلازمات مناقشتها تستدعي البرلمان لجلسة طارئة وعاجلة في ذات الوقت، وجزم عبد الرزاق في حديثه لـ(آخر لحظة) بأن الجلسة الطارئة في حالة انعقادها ربما لا تؤخر أو تقدم في القضية المطروحة للنقاش؛ لأن الأغلبية الميكانيكية لنواب المؤتمر الوطني بالبرلمان تظل هي المسيطرة على مخرجات المداولات، بيد أن نواب الوطني لن يغردون خارج سرب حزبهم، وبالتالي مسألة الجلسة الطارئة ستكون تحصيل حاصل.
حق مكفول:
بينما يشير رئيس مركز الخرطوم الدولي لحقوق الإنسان د. أحمد المفتي إلى أن طلب البرلمان لجلسة طارئة، يمثل حقاً مكفولاً للنواب، لكنه غير مجدي، لأن طلب قطع الإجازة للبرلمان ومباشرة أعماله من خلال جلسة طارئة، يتخذ قوته في حال كان الطلب من الجهاز التنفيذي باعتباره المختص بالشأن أكثر من غيره، ويرى المفتي في حديثه للصحيفة، أن معالجة قضايا الاحتجاجات لا يتم عبر الجلسة الطارئة للبرلمان؛ لأنها جهة تشريعية، وإنما يتم عبر الجهاز التنفيذي؛ لجهة أنه يمسك بزمام الأمور، وليس الجهاز التشريعي.
وفي ذات السياق يشير القيادي بالمؤتمر الوطني د.إسماعيل الحاج موسى إلى أن قرار المطالبة بجلسة طارئة قرار موفق، خصوصاً في ظل الأحداث الحالية، التي تشهدها البلاد، والتي تستدعي أن يكون الجهاز التشريعي حاضراً، أسوة بالجهازين التنفيذي والقضائي، وقال الحاج لـ(آخر لحظة): هنالك بعض القوانين التي أفرزتها الاحتجاجات تتطلب مناقشتها من قبل البرلمان، فلا يعقل أن يكون البرلمان في خانة الغياب.
اللوائح تسمح :
وفي ذات الصدد يرى المحلل السياسي أستاذ العلوم السياسية بجامعة النيلين البروفيسور حسن الساعوري أنه ووفقاً للوائح المنظمة لأعمال البرلمان، يمكن للنواب أن يستدعوا الهيئة التشريعية إلى عقد جلسات طارئة بحسب الظروف الطارئة، وأكد أن رئيس البرلمان ونوابه ورؤساء اللجان بالمجلس هم الآلية، التي يمكنها أن تصدر مثل هذه القرارات بعد دراستها، وبالتالي لا يمكن لغير هذه الآلية أن تدعو إلى تعطيل إجازة البرلمان، والدعوة إلى انعقاد جلسة طارئة، وشدد الساعوري لـ(آخر لحظة) بالقول إن الدعوة لجلسة طارئة لا تتم عبر النواب كأفراد، وتابع في العادة يقدم الطلب من كتلة ذات وزن داخل قبة البرلمان، حتى ترضخ رئاسة البرلمان لطلبها، وتسعى إلى ترتيب ذلك، وفي ذات الاتجاه استبعد الساعوري أن يجد طلب مبارك النور أذناً صاغية من قيادات البرلمان.
ختاماً: الدعوات لعقد جلسة طارئة ليست بدعة، بل سبق وأن عقد المجلس الوطني العديد من الجلسات الطارئة بالتزامن مع أحداث مهمة، على سبيل المثال منها، الجلسة التي عقدت بشأن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتحويل القدس كعاصمة لإسرائيل، إلى جانب انعقاد جلسة طارئة لمناقشة المرسوم الجمهوري القاضي بتمديد حالة الطوارئ بولاية كسلا لستة أشهرٍ أخرى والمصادقة عليه بدعوة، من رئيس الجمهورية المشير عمر البشير، بالإضافة للجلسة التي عقدت للتداول حول القرار الأمريكي برفع العقوبات الاقتصادية عن السودان.. فيما يرى مراقبون أن رئيس المجلس الوطني سيستجيب لتلك الدعوات، وسيعقد جلسة طارئة خلال الأيام المقبلة، خاصة في ظل التطورات المتلاحقة للأحداث.
تقرير : أيمن المدو
الخرطوم (صحيفة آخر لحظة)

