الإسلاميون في السودان.. تتعدد الموقف والمرجعية واحدة

الإسلاميون في السودان.. تتعدد الموقف والمرجعية واحدة


خلقت الاحتجاجات التي يشهدها السودان منذ التاسع عشر من ديسمبر حالة من الفرز السياسي في المشهد السوداني، دفعت حركة الإصلاح الآن بقيادة غازي صلاح الدين لسحب كافة ممثليها في المجالس التشريعية، تضامناً مع مظاهرات السودان والجماهير وتقديم مذكرة تطالب الرئيس عمر البشير بحل الحكومة وتكوين مجلس انتقالي لتسيير شؤون البلاد، لتعود الإصلاح الآن لذات المربع السابق في احتجاجات سبتمبر 2013 التي دفعت (حركة الإصلاح الآن) للخروج من الحزب الحاكم المؤتمر الوطني، ليفرق شيطان السياسة بين إخوان الأيديولوجيا.
في المقابل تمسك منبر السلام العادل الذي خرجت قياداته من الوطني بعد توقيع اتفاق نيفاشا بشراكته مع الوطني بموجب اتفاق الحوار الوطني معتبراً أن المذكرة بأنها “انقلاب على الحوار الوطني”، وبين الإصلاح والمنبر تمايزت مواقف الإسلاميين من الاحتجاجات الحالية التي هزت باعتراف عدد من الإسلاميين (شجرة الوطني) كما لم يحدث من قبل.

ماذا يحدث؟

الملاحظة الأساسية أن موقف الإسلاميين بمختلف تياراتهم تتفق مبدئياً على أن التظاهر والاحتجاج حق مكفول بالدستور، إلا أن الاختلاف يتعلق بالممارسة، وهنا تتمايز الصفوف بحق الممارسة وتعامل السلطات معها بين من يصفها بالتخريبية واستغلال مندسين للضائقة المعيشية للقيام بأعمال فوضى وعدم استقرار في البلاد وهي ما تعكسها غالبية تصريحات قيادات (المؤتمر الوطني)، وبين من ينتقد تعامل السلطات بعنف مع الاحتجاجات ويدعو لذهاب الحكومة وإقامة بديل توافقي كالـ(نخب الإسلامية والتيارات الشبابية)، وبين هذا وذاك هناك من ينتقد موقف السلطات من الاحتجاجات إلا أنه في المقابل يدعو للتمسك بوثيقة الحوار الوطني كـ(الشعبي) ومن يضيف تنحي الحكومة وإقامة وضع انتقالي كـ(الإصلاح الآن).

القيادي الشاب بالوطني محمد الواثق يرى في حديثه لـ(السوداني) ضرورة التمييز بين الاحتجاجات المطلبية التي تندد بالأوضاع المعيشية وتنتقد أداء الجهاز الحكومي وتعامله مع الأزمات الراهنة باعتبارها مشروعة، وبين الاحتجاجات المسيسة التي تنادي بإسقاط النظام ككل والمرفوضة، وأضاف: معظم التيارات الإسلامية لا تسند التغيير بصورة عنيفة لمعرفتها بمآلات الأمور وسيناريوهات عزل الإسلاميين عن المشهد مما جعلهم يتوحدون جميعاً دفاعاً عن النظام”. ويتابع:”الإصلاح الآن والشعبي يتحدثان عن إصلاح الدولة والتعاطي بإيجابية مع قضايا الناس بما فيها الحريات”.

إسلاميو (تقعد بس)

الاحتجاجات أدت لعودة القيادي البارز بالمؤتمر الوطني، علي عثمان للأضواء مجدداً مدافعاً بشراسة عن النظام، وطبقاً لمتابعة (السوداني) تجلى ذلك من خلال خطابه الجماهيري في بورتسودان، أشار فيه إلى أن الاحتجاجات التي عمت عدداً من مدن البلاد، أثبتت فشلها وضعفها، مضيفاً أن البعض كان يظن أنها ستكون النهاية لكنها لم تهز شعرة في الإنقاذ، مشيراً إلى أن شجرة الإنقاذ فروعها في السماء، قبل أن يعود في برنامج (حال البلد) التلفزيوني ويسخر من المطالبين بتدخل الجيش لاستلام السلطة –في إشارة لمطالب الجبهة الوطنية للتغيير- ، وقال إن الجيش همه الحفاظ على الأمن القومي وأمن المواطن وليس الدخول لغلبة جهة على جهة، مشدداً حينها على أن من يريدون اقتلاع النظام عبر انتفاضة مزعومة على (فيسبوك) والوسائط وفضائيات عالمية لا يعرفون حجم الإنقاذ.
طه لم يكتف بذلك وأرسل رسالة لمن يقولون بأن الكبش يريدون ذبحه الآن مفادها أن الإنقاذ ليست فريسة أو كبشاًً وإنما نظام له إيمانه بربه وثقته بشعبه، وقال الداير يقلع النظام من خشم الأسد عليه أن يستعد لمنازلة الأسد، مؤكداً أن الإنقاذ تحميها كتائب ومجموعات تستعد للتضحية إذا ما احتاجت إليها لتسيير دولاب العمل العام وحتى إذا اقتضت التضحية بالروح، وأضاف: هذا النظام تحرسه هذه الروح وتحرسه قبل ذلك عناية الله. فيما طالب عضوية الحزب الحاكم بمراجعة ملفاتهم والانتباه لمن الغرور لأن المغرورين أخطر من المتظاهرين. طه الذي أرسل رسائل لمعارضيهم السياسيين ومؤيديهم للثبات ومواجهة الأزمة، مثل الوجه الأبرز لتيار الإسلاميين المؤيدين للنظام وبقاء البشير في السلطة.

أستاذ العلوم السياسية د. عبده مختار يذهب في حديثه لـ(السوداني)أمس إلى أن تصريحات طه انطوت على قدر من التصعيد والاستفزاز، معتبراً الموقف لا يستدعي التعامل القطعي وإنما خطاب حكيم للتواصل مع الشعب والمعارضة ولا ينفرهما. ويرى مختار أن التصريح تأثر بالخطاب العدواني للمتظاهرين الداعين لإقصاء الإسلاميين وعزلهم.
بينما يذهب الكاتب الصحفي أشرف عبد العزيز في حديثه لـ(السوداني) إلى أن طه سعى لتقديم الدعم والإسناد للحكومة إلا أنه كان أكثر عنفاً من ناحية لفظية حتى من تنفيذيين في السلطة في محاولة لإرضاء البشير باعتبار أنه مهندس الوضع الحالي. ويقارن عبد العزيز بينه وبين نافع علي نافع الذي تحدث بحساب وهو يطلق تصريحه (الرسالة وصلت) ليتحدث ويعبر عن رأيه في مواجهة التحديات الماثلة بلغة محسوبة لا تحسب عليه خاصة أن لديه آراء داخل التنظيم إلا أنه ملتزم برأي المؤسسة الحزبية.

مواقف أخرى

في مقابل ذلك أظهر الأمين العام السابق للحزب الحاكم الشفيع محمد أحمد موقفاً مختلفاً وهو يجهر بالدعوة بالتنحي الفوري للرئيس وتسليم مهامه بصورة مؤقتة للنائب الأول، وحل الحكومة، وإدارة البلاد عن طريق وكلاء الوزارات إلى حين إجازة خارطة طريق تعنى بترتيب الفترة الانتقالية، داعياً في ذات الوقت المعارضة لتلبية أي دعوة جادة من الحكومة تهدف لوضع ترتيبات للمرحلة الانتقالية والابتعاد عن عقلية الثأر والمرارات، مشيراً إلى هشاشة الوضع الداخلي في السودان، كما طالب قيادات المظاهرات في الشارع بالموافقة على تغيير النظام بإجراءات هادئة ومسؤولة وحضارية حتى لا تتأثر البلاد. لكن القيادي بالوطني محمد الواثق يرى أن الاحتجاجات بعد أن أخذت طابعاً مسيساً وعنيفاً استدعت التعامل معها بذات الكيفية عبر ترتيبات سياسية كما حدث عبر (مسيرة التأييد) وتسويق خطاب الإصلاح ومعالجة المطالب الأولية المتصلة بمعاش الناس مقابل الإسقاط بمآلاته العنيفة.

الشعبي.. موقف عصيب

المؤتمر الشعبي يبدو متنازعاً بين قيادة في القصر وقواعد توصف بالمشاركة في الاحتجاجات، لا سيما وأن مشاركته في الحكومة تأسست على انقسام كاد يعصف بالحزب، لذلك لم يكن مستغرباً أن يصعد التيار الرافض للمشاركة في السلطة من لهجته ويطالب بفض الشراكة خاصة أن الداعمين للشراكة أظهروا انحيازاً واضحاً للاحتجاجات، ودعا المؤتمر الشعبي إلى السماح بالتظاهرات السلمية، معلناً رفضه للقتل وسط المتظاهرين، ولوح القيادي بالشعبي إدريس الكناني في حديثه لـ(السوداني) بالانسحاب وقال: (يمكن أن ننسحب من الحكومة في أي وقت لأننا لسنا في زواج كاثوليكي مع المؤتمر الوطني)، منتقداً سماح الوطني لأنصاره بقيام تجمع مؤيد ومنع الآخرين.
من جانبه يذهب أشرف عبد العزيز إلى أن تيار الشباب في الشعبي يؤيد بحماس الاحتجاجات ويشارك فيها بصورة واضحة، لافتاً إلى أن ذات الأمر في تيارات “السائحون” وبشكل أقل حتى في الوطني، وأضاف: مشاركة شباب وشابات الحزب في المواكب التي نظمها تجمع المهنيين وتعرضهم للاعتقال سيحرج قيادة المؤتمر الشعبي. منوهاً إلى إصابة أمين الشباب بالشعبي محمد الفادني بفقدان الوعي لدى مشاركته في موكب الشهر الماضي وأحمد التجاني ما يزال معتقلاً.
القيادي بالوطني محمد الواثق يرى أن الإنقاذ طوال مسيرتها لم تستوعب التحولات الاجتماعية والديموغرافية فركزت على قضايا السلام وغيرها ولم تلتفت كثيراً لقضايا الشباب مما جعل التيارات الشبابية تتبنى مذكرات إصلاحية ليس وسط الإسلاميين فحسب بل حتى في التيارات اليسارية.

الاصلاحيون..انحياز واضح

لم يكن مستغرباً أن يطالب عدد من الأكاديميين والمفكرين الإسلاميين بالاستجابة لصوت الشارع، فقد درجوا منذ سنوات على المطالبة بإصلاحات حقيقية، وفي نهاية العام الماضي مع صعود الاحتجاجات لحقت مجموعة مبادرة (السلام والإصلاح) والمعروفة أيضاً باسم مجموعة الـ(52) التي تضم عدداً من هذا التيار بمؤيدي الحراك الشعبي الذي انتظم قطاعات مقدرة من الشعب السوداني المطالبة بالتغيير السلمي وصولاً إلى حكم راشد يسوده حكم القانون. وبرزت هذه المجموعة في مارس من العام 2016 حين سلمت الرئاسة السودانية مبادرة موجهة للرئيس عمر البشير، تدعوه لتشكيل حكومة انتقالية تعالج أزمات البلاد وتتجاوز التعديلات المحدودة إلى إحداث تغيير هيكلي في الحكم.
وحظيت مبادرة الـ(52) التي وضعت خارطة طريق محددة لمعالجة الأزمة السياسية في البلاد بتجاوب واسع، إلا أن الرئاسة السودانية تجاهلت مطالب هذه المجموعة لاحقاً ولم تعرها التفاتاً، كما أن حزب المؤتمر الوطني صاحب الأغلبية الحاكمة رفضها كلياً، لتعلن في 30 ديسمبر الماضي عبر بيان صحفي ” تأييدها ودعمها الكامل لحق الشعب السوداني في التعبير بحرية كاملة غير منقوصة عن تطلعاته في الحرية والديمقراطية والحياة الكريمة في وطن يعمه السلام والاستقرار والحكم الرشيد وسيادة حكم القانون والمساواة وحماية حقوق الإنسان”. وتضم المجموعة ب. الطيب زين العابدين، ب. حسن مكي، د. خالد التجاني النور، فتح العليم عبد الحي، د. محمد محجوب هارون، محمد عبد الله جار النبي.
فيما أعلن عدد من المفكرين والكتاب المحسوبين على التيار الإسلامي مثل د. التجاني عبدالقادر ود. عبدالوهاب الأفندي دعمهم للحراك الشعبي، ودعا الأفندي في مقال صحفي إلى أن “يتحرك أهل الحكمة والعقل لإيجاد إجماع ديمقراطي جديد، يحفظ للسودان مستقبله، ويقلل من تكلفة الاضطراب الذي يصاحب كل انتقال إلى نظامٍ مفتوح. ويرى عبد العزيز أن (النخب الإسلامية غير المنتمية لتنظيم) كانت أكثر التيارات الإسلامية انتقاداً لتعامل السلطات مع الاحتجاجات منتقدين سياسات الحكومة ومطالبين برحيلها عبر بديل ديمقراطي.
في ذات الوقت يسعى البعض لتحجيم هذا التيار وإثارة مخاوف عن عزل سياسي للإسلاميين في حال حدوث تغيير سياسي في مواجهتهم، إلا أن ثمة من يقلل من ذلك.
المحلل السياسي عزت شريف يرى في حديثه لـ(السوداني) أن التيار الغالب في المعارضة يرحب بالإسلاميين الذين يدعمون التغيير بوضوح جماعات وأفراداً، وأضاف: المعارضة الغالبة ليس لديها النية والقدرة على إقصاء الإسلاميين من المشهد السياسي”.
ويدعو شريف للتوافق على أن المستقبل الوحيد للسودان يقتضي اعتماد الديمقراطية والمحاسبة والمواطنة بلا تمييز وبناء دولة مدنية ديمقراطية كأساس لمستقبل السودان.
ويلفت شريف إلى أن تجربة الإسلاميين في السلطة خلقت الأزمات الحالية لاعتبارين أولهما سلوكهم الداخلي من خلال محاولة صياغة السلطة والأفراد وفقاً لتصوراتهم الفكرية وثانيهما عبر سلوكهم الخارجي (فكرياً وعملياً) عبر أوهامهم التوسعية بشكل استعدى المحيط الإقليمي والعالمي، وهو ما يستدعي التأكيد على نقد التجربة من قبل الإصلاحيين الإسلاميين لكسب التأييد والتعاطف داخلياً وخارجياً.

تقرير : محمد عبدالعزيز 

الخرطوم (صحيفة السوداني)

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.