في تنوير امتد لساعتين، التقى مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني الفريق أول صلاح قوش، مساء أمس برؤساء تحرير الصحف ومديري القنوات الفضائية ومراسلي الفضائيات الأجنبية والوكالات. قوش قدم العديد من المعلومات حول المظاهرات والأحداث الأخيرة. وتطرق للأزمة الاقتصادية (الوقود والسيولة والقمح) وشرح مسبباتها الرئيسية ووعد بأنها في طريقها إلى الحل في الفترة المقبلة. وأكد أن دعم الدقيق والمحروقات لن يرفع، وبشر بأن الدولة لن ترفع الدعم عن القمح والوقود. وأعلن قوش أن خلية تتبع لجماعة عبد الواحد محمد نور جندها جهاز الموساد الإسرائيلي هي التي أحرقت دور المؤتمر الوطني وقامت بتخريب المنشآت في مدينتي عطبرة والدامر. وقال إن القوات الأمنية تمكنت من إلقاء القبض على (7) منهم وعلى رأسهم رئيس الخلية.
الجميع كانوا يترقبون على أحر من الجمر، ماذا سيقول قوش حول الأوضاع والأزمات الحالية؟.. قوش قال إنه ليس بالسياسي أو يدير مؤسسة سياسية، بل إنهم فنيون سيقدمون معلومات ووقائع حقيقية، رأت إدارة الجهاز أن تملكها للإعلام والشعب.
أسباب الأزمة
مدير الجهاز أرجع سبب الأزمة إلى شح السيولة، التي تسببت بدورها في رفع أسعار الدولار الذي أصبح (بيزنس كبير) تديره مجموعات عبر شبكة تنسق هذا العمل، وتحدد أسعار الصرف بصورة غير حقيقية ومبالغ فيها. وتساءل: “كيف يمكن معالجة الأزمة؟”. وقال: “إذا أردت الذهاب في تحرير السوق الحر: لا بد أن توزن نفسك في العرض والطلب، ومن ثم تطلع الحكومة من السوق وتنظمه، وهذا في حال كان (البيزنس) موضوعياً ويقاس بمعايير موضوعية، لكن في السودان المقاييس غير”.
أسرار عالم البيزنس
وكشف قوش عن أسرار وتفاصيل عالم تجارة الوقود والسكر والقمح في السودان، بقوله: (أنا قادم من السوق، وعملت في السوق العالمي، وخبرته وعلمته “مافي رجل أعمال في العالم بيربح من عمله أكثر من السودان”). ودلل قوش على أن ربح رجل الأعمال من استيراد باخرة النفط في كينيا وإثيوبيا لا يتجاوز 200 ألف دولار. لكن في السودان يربح رجل الأعمال ما بين 5-7 ملايين دولار. وعزا قوش هذا الأمر إلى أن الاقتصادات الأخرى تفتح عطاءات عالمية وتتعامل مع شركات متينة لديها ثلاثة عناصر “ناقل بحري أو مصفاة بترول أو مستودعات كبيرة”. وأكد أن هذه العناصر هي أهم مفاتيح التجارة النفطية حول العالم. وأضاف: “لكن الواضح في السودان غير (أي زول بعصايتو يصبح تاجراً، وأنا شلت عصايتي وبقيت تاجر بترول)، التجار يفتشوا ممول – بنك – وشركة نفط من الخارج ودورنا ننسق مع وزارة النفط، ويكون المنسق أكبر رابح بأرباح تصل في الشحنة الواحدة ما بين 5-7 ملايين دولار، بدون أن نملك أموال الصفقة، والعديد أصبحوا تجاراً، وقس على ذلك في تجارة السكر والقمح والمواد الغذائية”.
روشتة معالجة الاقتصاد
باستناده إلى معلومات ضخمة، شرح قوش راهن الواقع الاقتصادي للبلاد، وأكد أن القطاع الخاص في السودان يحتاج لنقلة ثقافية علمية. ويجب أن يكون التعامل عبر شركات متينة وراسخة لديها إنجازاتها وتاريخ معتبر، ويكون سجلها خالٍ من الإشكالات القانونية، ولا تكون مدانة في الأحكام القضائية. وأضاف: “في السودان أي واحد يجيب شركة يقول إنها كبيرة حتطلع الذهب بقيمة 4 مليارات دولار، ويودوها لـ…). وشدد على أن تقوم الدولة بوضع ضوابط صارمة إذا قررت الانتقال إلى السوق الحر، فموارد السودان كافية وكفيلة بتحقيق الاكتفاء الذاتي، وكبح جماح انفلات الأسواق، دون التعرض لفجوة ترفع أسعار العملات لأن الطلب أكثر من العرض ويحترق المواطن. ونوه إلى أن النقطة الجوهرية تكون عبر البداية الصحيحة باستقرار سعر الصرف، حتى يتم تحديد أن يكون السوق حراً أو غيره، فغير ذلك سيدخل المواطن في جحيم. وأشار إلى أن المسؤولين في القطاع الاقتصادي عليهم تخفيض الاحتياج على العملة الحرة بتمزيق فاتورة بعض الأشياء، وأن أكبر البنود هي المحروقات والقمح. وحث على زيادة الإنتاج الذي تدهور لأسباب عديدة.
حسابات الربح والخسارة
حول ملف العلاقات الخارجية للبلاد، قال قوش إن الشرق الأوسط في مرحلة إعادة تشكيل، وإنهم يحاولون الموازنة في علاقاتهم الخارجية بصورة تخدم مصالح البلاد وتحقق أمنها القومي وتراعي مصالح الشعب، وتكف الأذى عنها.
وقال إنهم ذهبوا إلى الاستثمار في بترول الجنوب قبل أن يتم توقيع السلام الأخير. وقلنا لهم إننا سنسهم معكم في إصلاح ما دمرته الحرب، وسنسهم كذلك في تأمينه، ليس عبر المدفع، لكن بالحوار والحياد مع المجموعات الأخرى بالحفاظ عليه وعدم تخريبه، فهو الضمان لنهضة الجنوب. وأضاف قوش: “بدأنا في تأهيل 4 حقول، حقل عداريل يعمل، و3 حقول في الوحدة بدأنا فيها واشتغلت فيه 13 بئراً بكادر سوداني من وزارة النفط. واحتفلنا بتصدير 1.5 مليون برميل، يبلغ نصيب السودان في البرميل الواحد 25 دولاراً، والأمور تمضي في تحسن”. وكشف قوش عن أنهم يعطون إثيوبيا بنزيناً مقابل الكهرباء، لذلك تم الاتفاق مع الروس لإنشاء مصفاة، لنمزق فاتورة النفط، وسيحتاج هذا إلى زمن.
انفراج السيولة في أبريل المقبل
وأعلن أن الـ26 مليون دولار تعادل شحنة جازولين بحجم 50 ألف طن، تكفي حاجة البلاد لمدة 4 أيام، ومطلوب توفير الدولار للقمح، وتأتي موارد، ومطلوب أن نوفر 85 مليون دولار، يكون الشح حوالي 15 مليون دولار شهرياً، فالبنك المركزي لديه التزامات سداد، حيث كان يشتري الوقود بالأجل بفترة سماح سنتان للسداد، لذلك يحدث عجز في بعض الأحيان في الدفع لبعض الشحنات. وقال إنهم اتجهوا لزيادة صادر الذهب لسد النقص، ووجدوا أنهم يحتاجون لـ2 طن في الأسبوع، وتمكنوا من شرائه، وتبلغ قيمته 280 مليون دولار، إلا أن شح السيولة سبب الأزمة الخانقة. وبدأ بنك السودان بالحلول التقليدية، بالطباعة، وقال إن حجم الكتلة النقدية يمثل نسبة بسيطة من الناتج القومي، وذلك بسبب التضخم. وأصبحت هنالك فجوة في حجم الكتلة النقدية. ووعد قوش بأن مشكلة السيولة ستشهد انفراجاً في منتصف يناير من العام المقبل، بفضل برنامج يسيرون عليه سينهي المشكلة في أبريل المقبل.
مصيدة المضاربة
الفريق أول قوش قال إن المضاربين وشبكتهم العريضة ينسقون فيما بينهم لرفع أسعار الدولار بصورة غير حقيقية ومبالغ فيها، فقد شهد الدولار ارتفاعاً من 47.5 جنيه إلى (50، 55، 60، 80) والبعض يقول إلى 90 جنيهاً). وبلغت الزيادة كل صباح خمسة جنيهات. قوش أوضح أنه لا مضاربين يرفعون السعر صباحاً ويراقبون من يحتاج إلى الدولار في ذلك اليوم ويساومونه. قوش كشف عن أنهم دخلوا مؤجلاً في المضاربة، ولجأوا لشراء طنين من الذهب يومياً وضخ 20 مليون درهم، حتى يسهموا في إنزال سعر الدولار: وأنهم نجحوا في مسعاهم، وقاموا بمنع ما أسماه بـ(الناس الكبار) من شراء الدولار، وعوضوهم بشراء الذهب، وتمت السيطرة على جنون ارتفاع الدولار، ويسعون هذه الأيام لتحديد سعر معقول للدولار، حتى لا يخسر مصدري السمسم والقطن.
أزمة القمح
حول أزمة القمح والدقيق، قال قوش إن الدولة تدعم أي جوال قمح بـ350 جنيهاً ليصل المخبز بسعر 850 جنيهاً، لكن مع الأزمة صار صاحب المخبز يربح فقط 50 جنيهاً في مبيعات الخبز من الجوال، بينما تبلغ قيمة الجوال في السوق 1300 جنيه.
قوش عزا مشكلة الخبز في الولايات لضعف آلية الرقابة والتوزيع، وأنهم قاموا في العاصمة بإنزال 200 عسكري في أي مطحنة، حتى لا يدخل الدقيق إلى السوق الأسود، وتم الاجتماع مع أصحاب المطاحن والوكلاء والمخابز. وقال: “استلمنا الدقيق من المطاحن، ففي كل شاحنة تخرج من المطاحن يوجد اثنان من العساكر، يوصلان الشحنة إلى الوكيل، ومنها إلى المخبز الذي يراقبه أيضاً اثنان من العساكر، وفي كل مرحلة يكون التسليم والتسلم عبر أورنيك رسمي، وتمت السيطرة على الوضع وانفرجت الأزمة”. وأضاف: “نحن جهة رقابية وليست تنفيذية، لذلك سلمنا هذه العملية للولاة والمعتمدين، وطالبناهم بتفعيل الرقابة، لكن بعد تسلمهم للأمر ظهرت الأزمة من جديد، علماً بأن المطاحن لم تنقص أي جوال من حصة الدقيق المدعوم”.
بداية المظاهرات
قوش قال “إن المظاهرات السلمية عندما اندلعت في نهر النيل، كان لا يوجد أي جوال دقيق في مدينة عطبرة، وعندما سألنا عن السبب كان التبرير غير منطقي، بأن الشاحنات كانت تقف في صفوف الوقود. وقام الوالي بالتسعير الجديد والبيع بالدقيق التجاري، لكن الآن نزلنا واستلمنا الدقيق وبدأنا التنسيق مع وزراء المالية في الولايات، ونتابع التسليم معهم، وهذا هو سبب الأزمة”. وأضاف: “الأجواء كانت مشحونة في بداية الأزمة، لكن لم نرصد أي تحرك للقوى السياسية، فقد كانت مشغولة بخلافاتها التي نشرتها الصحف، وكانوا منقسمين في أمر الخروج إلى الشارع، لكن بدأوا توظيف الظروف وهذا حقهم، في الخروج للمظاهرات، وهي لا تزعجنا”. وقال إن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اجتمعت يوم الخميس وقررت المشاركة في التظاهرات، وخرج الحزب الشيوعي فرع العباسية أمس في مظاهرة. وأضاف بابتسامة: “أنا كنت ساكن في العباسية”. وأشار إلى أن بعض طلاب الجامعات والداخليات خرجوا في التظاهرات، لكن يزعجهم انفراط الأمن وكسر المحلات ونهب المنازل وترويع الناس.
مجموعة عبد الواحد التخريبية
لكن الأمر السالب، رصدنا 280 شخصاً من مجموعة عبد الواحد محمد نور، تم ترحيلها من إسرائيل إلى نيروبي، وتقديرنا أن الموساد جند بعضاً منهم وكون شبكة، لعمل تخريبي في الخرطوم وأم درمان وبحري والكلاكلات والحاج يوسف وبربر والدامر. وتحركت 8 بكاسي فيها 15 شخصاً، اندسوا وسط المتظاهرين وقاموا بحرق دور المؤتمر الوطني، وتخريب عشرات المنشآت”.
وأعلن قوش عن القبض على 7 من مجموعة عبد الواحد في دنقلا، من ضمنهم رئيس المجموعة التخريبية.
ونوه إلى أن الشرطة كان بإمكانها حماية المتظاهرين، فهذا حقهم في التعبير عن الوضع الاقتصادي، ولا يمكن إلقاء اللوم عليهم، لكن تحولت المظاهرات من سلمية إلى تخريبية، تهدف لزعزعة أمن الوطن والمواطنين. وعدد قوش عشرات السرقات والحرائق وعمليات النهب التي طالت الأسواق والبنوك ومقار المحليات ودور الوطني والمراجع العام وديوان الحكم المحلي بعدد من المدن التي اجتاحتها المظاهرات. وأكد أنه تم إلقاء القبض على السارقين وضبط المسروقات بحوزتهم.
لماذا إطلاق الرصاص
مدير الجهاز قال إن الشرطة لم تستخدم الرصاص إلا عندما اقتحم المتظاهرون مركزهم. وسقط جراء ذلك 5 من الضحايا، 3 منهم في القضارف، واثنان في نهر النيل، أحدهم توفى أمس بعطبرة. اثنان منهم توفيا إثر رصاص طائش. وأكد أن قوات الجهاز لا تتدخل في فض المظاهرات إلا بعد طلب من الشرطة، وأنهم يعملون في تنسيق تام مع الجهات النظامية كافة، في غرفة العمليات التي تضم الشرطة والأمن والجيش. وكشف أن الجيش استلم مهمة تأمين المنشآت الحيوية والمقار المهمة. بينما مسؤولية الشرطة حفظ النظام وفض الشغب وردع الأعمال التخريبية والمخربين، بدعم من قوات الأمن إذا طلب منها التدخل. وأنه لم يتم إطلاق الرصاص على مواطن إلا إذا حمل السلاح.
(النيقرز) على الخط
قوش نوه إلى أن التظاهرات الأخيرة، تم استغلالها من بعض المتفلتين من عصابات (النيقرز)، إذ تم ضبط العشرات منهم يحملون السلاح الأبيض، ينهبون المواطنين ويقتحمون منازل المواطنين. وقال: “خرج 30 من النيقرز بالسلاح الأبيض مستغلين الأوضاع، وقطعوا الطريق في شارع الهواء، كذلك مجموعة خرجت في الحاج يوسف. والتقرير الجنائي كشف العديد من جرائمهم”. وأضاف: “راقبت عبر الستلايت – عصر أمس – لمدة نصف ساعة تظاهرة محدودة لبعض الصغار يرتدون البرمودات، في سوق ستة، ويقومون بحرق اللساتك، ويوقفون الركشات لأخذ بنزين منهم، ليشعلوا اللساتك، وبعد 15 ساعة حضر – ما أسماهم بـ(الكباتن) – ملثمي الوجوه يقودون مواتر ويرتدون ملابس سوداء، وبدأوا في محاولات تنظيم الصغار وتحريكهم (المديدة حرقتني)، بعده أرسلنا لهم عربتين وفضت التظاهرة”.
وشدد قوش على أنهم لن يتهاونوا في بسط الأمن وتأمين المواطنين وسيردعون كل من يهدد استقرار البلد وأمنها. ولن يقفوا متفرجين أمام المتفلتين، وأصدروا التوجيهات للقوات بحسمهم الحسم اللازم.
رفع الدعم وحظر وسائل التواصل الاجتماعي
(السوداني) سألت مدير الجهاز حول موضوعين، الأول فيما يتعلق برفع الدعم عن الدقيق والمحروقات، أجاب قوش بقوله: “الحقيقة الثابتة الآن: إنه لا رفع للدعم عن الدقيق، ولا رفع للدعم عن المحروقات”.
السؤال الثاني كان عن حجب مواقع التواصل الاجتماعي الذي تم أمس وأثار العديد من التساؤلات، أجاب: “لسنا مع حجب السوشال ميديا، بل نحن مع التفاعل معها، ودحض الشائعات وتمليك المعلومات الحقيقية”. وقال إن هذا الأمر من اختصاصات وزارة الإعلام والاتصالات، والآن هناك تحاور معهم بصدده.
الخرطوم: رصد (صحيفة السوداني)

