يختزل كل منا في مخيلته تلك الصورة الحنونة لحبوبة التي تسهر على راحة أولاد ابنها وبنتها حينما يشتد بهم المرض وتشرف على طعامهم وشرابهم وتغرقهم بحنانها وعطفها تربي وتعلم ..
يستيقظ الصغار على صوتها الحنون وهي تداعب خصلاتهم بدعائها كل صباح قبل أن يجتمع الجميع عندها ليشربوا شاي الصباح ، كم كانت الحياة وقتها جميلة تملؤها الإلفة والمحبة وكم ربت الحبوبة من رجال ونساء صنعوا أمجاد أباءهم وأمهاتهم وأوطانهم .
كانت كل شئ وهي العز والجاه عندما ترسل الشمس أشعتها عند كل صباح تكون الأم هي أول من استيقظت من نومها فعيناها لا تعرف الراحة وهي من منحت صحتها وعمرها لراحة الآخرين وحين تغرب الشمس مؤذنة بالرحيل كانت الحبوبة تقف عند الباب تتفقد أحفادها وتناديهم ليدخلوا لفناء المنزل حتى لا يدركهم المغرب وهم في الخارج وفور فراغها من صلاة المغرب تسرع لتوقد النار حول الصغار لتدفئتهم وتصنع شاي المغرب وهي تحكي لهم عن ماضي أجدادهم وعن حياتها وعن فاطمة السمحة والفارس الشجاع ، كم كانت الحياة وقتها جميلة لا يمل الصغار حديثها و حكاويها فيطلبون منها المزيد حتى يدركهم النوم وهم يتوسدون حجرها ، ومضت تلك الأيام ومضت حبوبة لتصبح ذكرى مرسومة في وجدان كل واحد منا ، فلم تعد حبوبة كما كانت في الماضي بعد أن حلت كلمة ماما بدلاً عن حبوبة فأصبحت كلمة خاوية دون مدلول أو طعم ، مضت حبوبة حين ترك الأطفال البيت الكبير للحضانة يرتمون على أحضان المعلمات حين يشتد بهم المرض ويصرخون حين يشتد بهم الجوع و العطش .
مضت أجمل تفاصيل الحبوبة بفضل التقدم في وسائل الحياة والاتصالات ، فلم تعد حبوبة تتعلم كما كان في السابق ، من تجارب من سبقوها ونصائح أمها ، الآن تتعلم الحبوبة في الجامعة وتدرس فيها ، الآن تحمل تلفونها المحمول لتبحث في النت عن آخر ما توصل له العلم في طريقة تربية الأبناء وكيفية التنشئة ..
في واقع الأمر لم يعد لحبوبة متسع من الوقت لتحمل أحفادها فقد ملأ الوقت كل وقتها وحين تعود في المساء للبيت فلا كذلك الوقت حتى تحكي لهم عن فاطمة السمحة والغول بحسب صحيفة التيار ، لم تعد الأم كالسابق منشغلة بأمر الإنجاب لتربي الحبوبة فهي الآن من تربي وتنجب لذلك قررت معظم الأمهات ألا ينجبن الكثير من الأطفال في حين توارى الأطفال خلف شاشة التلفاز والآيفون ليسدوا فراغ الحبوبة العريض .
الخرطوم (كوش نيوز)

