إهدار الفرص

إهدار الفرص

السفير والسياسي المعتَّق الشفيع أحمد محمد – أحد النخب المثقفة والمنفعِلة بالأزمة الحالية التي تعاني منها البلاد.. ظلّ من قديم يُتحفنا بآرائه كلما استجد أمر يستدعي التثاقُف والتحاوُر ومحض النصح للقائمين على الأمر .

أرجو أن تشاركوني قراءة مقاله التالي:

لا شك في أن الخطوة التي اتخذها السيد رئيس الجمهورية، بإقالة حكومة الوفاق الوطني وتقليص هيكل الدولة، واختيار الشاب المقتدر الخلوق معتز موسى، لرئاسة مجلس الوزراء تمثل خطوة مهمة في سبيل الإصلاح وتحقيق بعض مطلوبات الحكم الراشد.

وتنبع أهميتها من استشعار الرئيس الخلل الحاصل في ادارة الدولة، والفشل في إدارة شؤون البلاد والعباد، وتوفير الحياة الكريمة للمواطن. ويقيني أن فشل الحكومة المُقالة ليس لعدم مقدرة أو كفاءة الفريق بكري حسن صالح، بل يكمن الخلل الحقيقي في كل المنظومة الحاكمة، وكل أدوات إدارة وسياسة الدولة والمجتمع والأحزاب والتشكيلات السياسية دون استثناء. لذا تأتي أهمية الخطوة من زاوية الاعتراف النبيل الصريح بأن كل منظومة الحكم في بلادنا قد تنكّبت الطريق وضلّ بها المسعى، لذلك عبّر السيد الرئيس عن هذا الاعتراف بتلك الخطوة وأحسبها مجرد بداية وليست بداية ونهاية، ونتوقع أن تأتي بعدها خطوات بل وثبات أكثر جرأة وأعمق أثرًا وأنبل مسعىً في اتجاه إصلاح الوضع المختل في البلاد.

من هذا المنطلق فقط أعتقد أن هذه فرصة يجب أن لا تُهدر ولكن كيف؟

في تقديري أن المعنيين بعدم إهدار هذه الفرصة كثر، منهم السيد الرئيس نفسه، والمؤتمر الوطني وشركاؤه في السلطة (والبرنامج الوطني) والمعارضة، والشعب السوداني بمختلف شرائحه.

فيما يختص بالسيد الرئيس، فإنه وخلال ما يقرب من الثلاثين عاماً تعرّضت المصداقية لأكثر من علامة استفهام، وأصبحت موضع شك لدى الكثيرين، وضاعت كثير من هذه الفرص بسبب هذا المسلك وعدم اتباع القول بالعمل بالنظر إلى أن الإيمان المجرّد دون عمل لا يكفي لثبات الأجر والثواب، فقد قال الله تعالى في محكم تنزيله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ).

أحياناً يأتي عدم اتباع الفعل للقول بغير إرادة القائل لعذر معلوم، ولكن يجب أن لا يكون ذلك سلوكاً وممارسة ممنهجة، فذاكرة الشعب السوداني تعود للبيان الأول لثورة الإنقاذ الوطني مروراً بسنوات التوافق ووعود ما بعد استخراج وتصدير النفط ثم المفاصلة، ثم وعود انتخابات العام ٢٠٠٠، ثم وعود ما بعد اتفاقية نيفاشا، ثم وعود ما بعد أبوجا والدوحة وانفصال الجنوب، ثم الوثبة الأولى، فالحوار الوطني.

سيدي الرئيس، كل هذه المحطات حاضرة في ذهن المواطن السوداني مما جعله يشكك في الوعود التي تطلقونها.

أقولها بملء في إن الفرصة الآن ذهبية ومواتية لإعادة الثقة في القيادة والتعويل على مصداقيتها ونرجو ألا تُهدرها سيادة الرئيس، فنحن نريدك صادق الوعد وفي العهد.

أما المؤتمر الوطني، فعليه أيضاً أن يؤكد مصداقيته بأنه ماضٍ بجدية وإخلاص في إصلاح الدولة وأنه فعلاً مهموم بقضايا المواطن، وأنه لا يناور أو يسعى لكسب الوقت (قطع فرقة)، ولكنه جاد ومبدئي ومؤسسي ومستعد للتضحية بمصلحة الحزب والتنازل عن طموحات أفراده من أجل مصلحة الوطن العليا وسوف يكون للحزب شأن أكرم وأشرف وأفضل في مقبل الأيام إن استمسك بهذا النهج.

أما الشركاء في الحكومة والبرنامج (الوطني). فعليهم أن يتذكروا أقوالهم التي ظلوا يرددونها (الذين شاركوا في الحوار الوطني والذين انضموا ولحقوا به)، فكلهم كان يقول إنه لم يأتِ من أجل المحاصصة في المناصب أو أخذ نصيبه من الكيكة، ولكنه جاء ليتعاون مع الآخرين من أجل إقالة عثرات الوطن، (وهذه الشهادات كما هو الحال بوعود والتزامات السيد الرئيس كلها موثّقة سطر وصوت وصورة)، فنقول لهم الآن أركزوا ولا تتمترسوا في مسألة المحاصصة (وهذا لا يعني أن تتركوا الحبل على الغارب وتخرجوا من المولد بدون حُمُّص، ولكن التعامل بحس وطني يُعلي المصلحة الوطنية العليا على ما سواها).

أما المعارضة، فنقول لها إن الخلخلة التي أحدثتها وتُحدثها مبادرة الرئيس تمثّل فرصة للتعجيل بقضية التحوّل الديمقراطي الحقيقي، وتهيئة الظروف لممارسة سياسية راشدة وتحقيق السلام العادل الشامل والتمهيد لوضع انتقالي، فبقدر ما تكون المعارضة متجاوبة ولو بحذر مع الإصلاحات التي يتّخذها الرئيس، فإن ذلك مما يعينه ويشجعه ويدفعه لمزيد من الوثبات (والعافية درجات وأكيدة إذا تواصل تعاطي الدواء( .

وظني أن المعارضة واعية وقارئة حصيفة للساحة الداخلية والإقليمية والدولية، ومدركة وحريصة على مصلحة الوطن وصاحبة مصلحة حقيقية لأي هبوط آمن وناعم.

أما الشعب السوداني، وهو المستفيد الأول من أي إصلاح حقيقي، فواجبه أن يكون حاضراً بشتى الوسائل، ليس بالتأييد والتصفيق والتزّلف الفاقد المعنى، ولكن أيضاً بالتأكيد على أن الخطوة التي اتخذها الرئيس مهمة حتى ولو لم تكُن كافية، وأنه على استعداد للدعم والمساندة والتضحية من أجل إحداث إصلاح وتحوّل حقيقي وليس تكتيكياً، وأنه ورغم أهمية تغيير الأشخاص والوجوه، فإن الأهم هو تغيير النهج والسلوك الذي أورد البلاد موارد الهلاك، وأن الشعب كما ضحّى من قبل بفلذات أكباده، وصبر على ضنك الحياة سنين عددا في بداية الإنقاذ، وتخلى عن حصة السكر من أجل الطريق، وتحمل المكوس والضرائب والرسوم من أجل الجريح، ومع شُح الغلة دفع بزاد المجاهد وتخلّت بنات السودان عن الذهب والحلي من أجل الاستقرار ووحدة التراب (والأخيرة قد فرطنا فيها بكل أسف)،

هذا الشعب على أتم استعداد على أن يصبر على المسغبة أسابيع بل شهوراً بل قل عاماً أو عامين، شريطة أن يرى جدية وإخلاصاً ومصداقية في قلب الصفحة، وإذا رأى حكومة بوزراء أكفاء (وطنيون بغير عصبية حزبية عمياء والأفضل أن يكونوا غير منتمين إلا للوطن)، لم تدفع بهم إلى الكابينة مجرد المحاصصة أو المجاملة، ـو شراء التأييد أو المزاج، ولا لتكبير الكوم.. حكومة ببرنامج واضح ومفصّل وبتوقيتات قطعية ترفع المعاناة عن كاهل المواطن، وتحارب الفساد، وتطوي ملفات الحروب والاقتتال بين أبناء الوطن وتنصف ضحاياً الحروب وتقتص لهم، وتُنهي الخصام السياسي، وتوحّد جبهة الوطن الداخلية وتهيئ البيئة لممارسة سياسية راشدة، تمكن كل أبناء الوطن من أداء دورهم الوطني دون عزل أو إقصاء أو تخوين بغير جريمة يعاقب عليها القانون المبرّأ من المساس بحقوق الناس والمنزّه من الغرض والتوظيف السياسي.

أخيراً :

معتز موسى، سهم يجب أن لا يُقذَف به في ظلام رؤية أوغياب برنامج أو ضعف إرادة أو فوضى مؤسسة، سيما وأنه دُفع به إلى الملعب في آخر دقيقة من زمن المباراة الإضافي. إنها فرصة يجب أن لا تُهدر، وكما قال أحد المفكرين: (إذا مات الأمل اخترعوه(.



اترك رد

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.