Site icon كوش نيوز

مسرحية (كلام في الهواء) .. النيل مقابل فضائح الناس و مؤامرات المعارضة

فضاء المسرح مليء بايقونات مواقع التواصل الاجتماعي .. ( فيس بوك وتويتر  ويوتيوب بجانب اسطوانات ال(cd) ) وغيرها من الوسائط التي باتت تشكل مفاهيم الناس وتتحكم في حياتهم  الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وبالجملة الحياة الانسانية بكل تقلباتها حتى تحولت هذه الوسائط من عالم افتراضي ( كما كان يطلق عليه) إلى جوهر تحول معها الواقع إلى مجرد ظل يستمد وجوده من انعكاساتها .. ربما تصميم الديكور على هذا النحو يمنحنا ايحاءاً ذكياً بحجم السيطرة شبه الكاملة التي ظلت تخضعنا لعالم (السوشال ميديا) ..

مسرحية (كلام في الهواء) التي ابتدرت عروضها على خشبة المسرح القومي ابتداء من ثاني أيام عيد الأضحى المبارك – جسدت لنا عبر حبكة درامية كوميدية بسيطة العلاقات صورة عن هذه السيطرة الاسفيرية على حياتنا المعاصرة .. سيطرة الغينا من خلالها عقولنا الواعية لنستجيب  بصورة مرضية إلى هذا العالم الذي يتحرك في الفضاء مقتحماً كل الحصون التقليدية التي كانت تحصن تفكيرنا ومشاعرنا ووجداننا من خطر الزيف واللا حقيقة ليتحول العالم بأجمعه عبرها إلى حياة أشبه بالهواء لا يمكن الامساك بحقيقة فيها والاستناد إلى قيمة منها ..

تبدأ المسرحية برقصة استعراضية تلخص المفارقة التي باتت تتحكم في عالم مواقع التواصل الاجتماعي حيث تبدأ الأغنية والرقص المصاحب لها على طريقة الراب الغربية ثم سرعان ما تتحول إلى رقصة تقليدية من رقصات فنوننا الشعبية والتراثية (السيرة والعرضة) حيث تؤدي الرقصتين نفس الشخصيات كتعبير عن التداخل بين ما هو أصيل وما هو دخيل وطارئ على عقولنا ووجداننا هذا التداخل الذي فرضه انفتاح الفضاء على حياتنا حتى فقدنا  ثبات ملامحنا  ولم نعد نعرف من نحن؟؟.

هذه المقدمة الاستعراضية مهدت لنا للأحداث والمشاهد التي شكلت عصب المسرحية عبر قصة (حدوتة) نسج خلالها المؤلف تفاصيل المحنة الاسفيرية التي باتت تسيطر على عالمنا والتي تقوم على استغلال القدرة على التحكم في (كلام – مفاهيم الناس) عبر جهاز جديد يستطيع تجميع الكلام الذي يدور في الفضاء وإعادة بثه مرة أخرى .. وبالطبع يلجأ المؤلف إلى قصة الاختراع الجديد ليثبت بصورة ايحائية بأن العالم الجديد هو عالم مصنوع ويمكن استغلاله عن طريق إخضاع هذه الصناعة و التحكم فيها ، وبالتالي في مصائر وحياة البشر و المجتمع بأكمله لمن يملك القدرة على (شراء الجهاز) بالمال بل إخضاع الشعوب والدول لهذه السيطرة من خلال (الكلام الذي يطلقه الناس في الهواء) ومن ثم ابتزازهم به بعد استعادته من خلال الجهاز (عالم التواصل الاجتماعي).

العالم الفضائي مخترع الجهاز الجديد يأتي من الفضاء إلى كوكب الأرض بعد تجميع وتسجيل كل الكلام الذي أطلقه البشر خلال حياتهم اليومية وبعد إعادة بثه يكتشف امكانية استغلال الكثير منه عبر تسويقه لمن يحتاجه وكأن الكلام الذي يدور حول (النميمة والفضائح والشتائم التي يتبادلها البشر سراً وعلناً) هو الأغلى سعراً فيبدأ في الترويج إلى بضاعته لمن يدفع أكثر .. ولما كانت عوالم الفضيحة هي الأكثر طلباً يركز جهده لاستعادة الكلام السلبي وتسويقه بين الناس. حتى يدخل عالم السياسة في الاستفادة من جهاز (تسجيل الكلام الذي يدور في الفضاء) وبالذكاء الخبيث الذي يتمتع به السياسي (في تجربتنا) يسعى لامتلاك الجهاز حتى إذا كلفه شرائه بيع أعز ما يملك الشعب والناس عموماً ليضمن السيطرة على حياتهم واستمرار سلطته .

السلطة تشتري جهاز تسجيل (كلام الهواء بمقابل التنازل عن (النيل) بأكمله لصاحب الاكتشاف – ولا تغيب عننا الدلالة الخطيرة لهذه الصفقة ( النيل بكل ما يمثله من حياة وخير وتنمية واستمرار للوجود ) حيث تقدمه السلطة السياسية ثمناً لبقائها عبر السيطرة على المعارضة لأن الجهاز يستطيع استعادة وتسجيل كل الاجتماعات السرية وإعادة بثها بجانب التحكم في كل ما يدور بين الناس (علاقاتهم الاجتماعية والعاطفية وفضائحهم ) ..

العرض الكوميدي الممتع قدمت تفاصيله الكوميدية نخبة من نجوم المسرح في مقدمتهم النجم صاحب الشخصية الكوميدية المميزة محمد المهدي الفادني الذي استطاع بخبرته الجماهيرية أن يبث حيويته في المشاهد بجانب الممثل يحي آدم الذي قدم  شخصية صاحب الاختراع واستطاع مجاراة خبرة الكوميدي الفادني وتقاسم معه عبء العرض . أما الممثلة صفاء زيدان فقد تميز أدائها بالبساطة والتلقائية على الرغم من انها قدمت عدد من الشخصيات المختلفة (شخصية استعراضية و الحبيبة والمرأة المسنة التي ظلت تبحث عن ابنها) وشاركتها  الفنانة صاحبة التجارب المتعدد سلمى عبدالله مدني التي منحت المشاهد التي ظهرت عبرها حيوية ساهمت في رفع ايقاعها كما قدم الممثلان مامون عيسى وعبد الجليل أدواراً وشخصيات ساهمت في تماسك العرض وتجسيد فكرته .

مسرحية كلام في الهواء من تأليف احمد الطيب كمال الدين وأخراج حسب الرسول كمال الدين ووضع لها الأشعار محمود مصطفى والموسيقى والغناء محمود الطيب وفهد الطيب والديكور عمر كمال الدين ورأفت عمر وعلي عمر.

محي الدين علي سعد الدين

الخرطوم (كوش نيوز)

Exit mobile version