الفرق شاسع بين أولئك الذين يؤمنون بما يقولونه ويفعلونه ، بإعتبار أن هذا السلوك ليس متكلفاً أو مصطنعاً ، وإنما هى المبادئ المغروزة في الدواخل ، والأفكار العقدية التي لا تزلزلها الزلازل ، وبين الذين يقولون بألسنتهم ما لا تؤمن به قلوبهم ، ولا يمثل فكراً لديهم أملاه عليهم العقل والنية الصادقة ، وإنما فعلوا ذلك ، أو قالوه ترضية لزيدٍ ولعبيدٍ طمعاً في منصب ، أو جاه ، أو مغنم له علاقة بالمصالح المادية والمنافع الدنيوية.
* وبالرغم من سهولة إكتشاف المنافقين من لحن قولهم ، وطبيعة سلوكهم ، لكنهم يتمتعون بمقدرة فائقة على تزيين القبيح ، وتقبيح الجميل ، ودق الطبل ، وعزف الموسيقى ، وحرق البخور ، لكثيرٍ من الذين آتاهم الله سلطة ، أو مالاً ، أو مركزاً مرموقاً ، وهؤلاء الذين يستهدفون بالمدح قد ينخدع معظمهم ، بالطبالين والدجالين ،
ذلك لأن الذي يغوص في نعمة قد تغيب عنه الحقائق ، وذلك عندما ينهض بعض الحراس والزبانية ، وبطانة السوء لغلق الأبواب ، ومنع النصيحة ، والوقوف حجر عثرة أمام المستشارين ، والحكماء الذين هم أقدر على معرفة من أين يأتي الخطر؟ وما هو المفيد لمن كان بيده سلطة ، أو مكانة ، أو مال ، أو غير ذلك من مظاهر هى التي جمعت حوله المطبلين ، وحارقي البخور ، والعازفين على الأوتار حيث تصحبهم جوقة ، ويحيط بهم أبالسة ، لهم القدرة على التفنن والمهارة للعب مثل تلك الأدوار.
* والتطبيل من الصفات الذميمة التي إبتلينا بها في هذا العصر ، وكما ذكر في صحيفة الصحافة ذلك لأنها هى السبب في فقدان سلطة ، وضياع ثروة ، وفساد للإدارة ، بحكم أن مثل هذا السلوك لا ينتهج النهج العلمي ، ولا يسير وفق ما تمليه الصراحة ، والشفافية.
* فالمطبل ، لا يرى إلا ما تحت أقدامه ، ولا يعمل من أجل المستقبل ولكنه يستعجل على نيل المصلحة ، ويزعجه جداً أن يكتشف شخصا ما يستهدفه من أهداف رخيصة ، ومكاسب أغلبها لا يمت بأدنى صلة للعفة ، والطهارة ، ونقاء الطوية ، وحسن النية .
وما دمنا نتحدث عن هذه الصفة ، فإننا نلاحظ آثارها على مؤسسات كانت شامخة ، وبنايات عالية ، ووزارات قاد سفينتها رجالٌ من الطراز الأول ، لكن كل ذلك قد آل إلى خراب بفعل سياسات تولىَّ كبرها الطبالون ، والمزمرون ، وحارقو البخور.

