الجماعات الإسلامية في السودان.. بين التصوف والوسطية والتشدد

الجماعات الإسلامية في السودان.. بين التصوف والوسطية والتشدد

سلط الهجوم الذي استهدف مصلين داخل أحد المساجد شرقي السودان مؤخرا، الضوء على طبيعة التوجهات الفكرية للجماعات الإسلامية في البلاد، ودور ونشاط تلك الجماعات، لا سيما مع إعلان السلطات أن منفذ الهجوم يرجح أنه ينتمي إلى جماعة “التكفير والهجرة”.

وقتل شخصان وأصيب خمسة آخرون في ولاية كسلا شرقي السودان، في هجوم على مسجد نفذه “متطرف” قتل لاحقا، بحسب الشرطة المحلية.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن وزير الثقافة والإعلام بولاية كسلا مجذوب أبو موسى قوله، إن منفذ الهجوم “متشدد يرجح أنه يتبع لجماعة التكفير والهجرة”.

تلك الجماعة وغيرها من الجماعات الإسلامية بتوجهاتها الفكرية المختلفة-حسب الأناضول- وخاصة الرئيسية والمؤثرة منها في الشارع السوداني، تسلط الأناضول الضوء عليها في هذا الإطار.

ـ التيار السلفي

تختلف الروايات حول بداية جماعة “أنصار السنة” بالسودان، وهي الممثل الرئيس للتيار السفلي، فبعض المؤرخين يعتمدون ثلاثينيات القرن الماضي بداية للجماعة، فيما يقول آخرون إنها بدأت فعليا في أربعينيات القرن الماضي كأحد المدارس السلفية التي تدعو إلى الكتاب والسنة على نهج السلف الصالح.

فيما تقول الجماعة في أدبياتها إنها “تأسست عام 1939، كجماعة دعوية إصلاحية تهتم بأمر إصلاح المجتمع، من وجهة نظر إسلامية سلفية سنية صحيحة، وهي امتداد للدعوة السلفية التي سادت في الجزيرة العربية”.

وتعد “أنصار السنة” الجماعة الأكبر بين التيارات والجماعات السلفية، وتعرضت لهزات بانسلاخ الكثير من عضويتها، حتى استقر بها الأمر إلى انقسامها إلى ثلاث جماعات، هي: “أنصار السنة ـ المركز العام”، و”أنصار السنة ـ الإصلاح”، و”الكتاب والسنة”.

وتحظى “أنصار السنة ـ المركز العام” بدعم كبير من السلفية الوهابية في المملكة العربية السعودية، وهي ذات الوجود الأقوى بين الجماعات الثلاث، وتشارك في الحكومة السودانية.

تلك المشاركة في الحكومة هي أحد أسباب الخلاف الرئيس مع جماعة “أنصار السنة ـ الإصلاح” التي انشقت في 2007، إلا أن الصحفي لؤي عبد الرحمن المتابع للشأن السلفي، يرى في حديثه للأناضول أن “الخلاف بين التيارين ليس كبيرا، وهناك تهدئة بين المجموعتين في الراهن بناء على توجيهات قيادات الطرفين”.

أما مجموعة “الكتاب والسنة” فقد شقت طريقا مغايرا منذ عام 1992، وهو محاربة “الشرك والخرافة ومظاهر الشعوذة والدجل”.

ووفق عبد الرحمن، فإن التيار السلفي به مجموعات أخرى، لكن لا يوجد لها جسم محدد تنسب إليه، وإنما أفراد يرتبطون بشيوخ ودعاة، وكل واحد من هؤلاء له أتباع.

ورغم تنوع وتعدد أسماء جماعات ومجموعات التيار السلفي، إلا أنها جميعا “تتوحد في مواجهة التغلغل الشيعي بالبلاد، بصرف النظر عن أي خلاف بينها”، بحسب المتحدث ذاته.

وفي هذا الصدد، كانت بعض مساجد الخرطوم المحسوبة على التيار السلفي شنت حملة تحريضية على الشيعة السودانيين، عقب إغلاق الحكومة السودانية في ديسمبر / كانون الأول 2014 المركز الثقافي الإيراني، وما أعقبه من إغلاق للحسينيات في جميع أنحاء البلاد، والمقدر عددها آنذاك بـ 15 حسينية.

وتتضارب الأرقام حول عدد الشيعة في السودان، ولكن مصادر غير رسمية تقدر أعدادهم ببضعة الآف.

وفي تصريحات صحفية سابقة، قال الأمين العام السابق لحركة “أنصار السنة / المركز العام” ووزير السياحة حاليا محمد المصطفى أبوزيد، إنها “ليست جماعة سياسية تتخصص في السياسة، وإنما تدعو إلى الإسلام بكافة مجالاته، ولا تنفصل عن السياسة، ولكنها تدعو في المقام الأول إلى التوحيد”.

ـ جماعة المسلمين

“جماعة المسلمين” يطلق عليها أيضا “التكفير والهجرة”، وهي جماعة سودانية متشددة، وجاءت تسميتها من أن عناصرها يكفرون الحكام وسائر المجتمع باعتبار أنه “فاسد”، ويهاجرون إلى مناطق نائية.

ولا يوجد رصد حقيقي لوجودهم أو مناطق انتشارهم، وكيفية تشكلهم، إلا أن بعض المهتمين يقسمونهم بحسب مناطق تواجدهم، والتي غالبا ما تظهر للوجود بالترافق مع حادث عنيف، مثل “مجموعة كمبو عشرة”، و”خلية السلمة”، وغيرهما.

و”كمبو عشرة” منطقة بالقرب من مدينة مدني وسط السودان، حدثت فيها اشتباكات نهاية عام 1993 بين مجموعة تكفيرية والشرطة، أدت إلى مقتل ما يزيد على 17 من الجماعة.

أما “السلمة” فهو أحد أحياء جنوب الخرطوم، انفجرت فيه قنبلة عام 2007 بأحد المنازل، وقاد الانفجار إلى مقر خلية مسلحة كانت تنتوي “مجاهدة” القوات الأجنبية (الأممية) في إقليم دارفور (غرب ـ ويشهد اشتباكات بين متمردين وقوات حكومية منذ 2003)، وفق ما تم إعلانه رسميا آنذاك.

و”التكفير في السودان طارئ ومرتبط بالأجنبي دائما”، في رأي الأستاذ الجامعي المتخصص في الجماعات الإسلامية محمد خليفة.

ويرى خليفة في حديثه للأناضول، أن “الأجنبي دائما ما يكون السبب في اجتذاب سودانيين ليصبحوا تكفيرين، إما نتيجة لاحتكاكهم بأجنبي، أو أنهم تلقوا الفكر التكفيري من أجنبي”.

ويضيف: “حتى قديما تأثر التكفيريون السودانيون بفكر المصري شكري مصطفى مؤسس جماعة التكفير والدعوة، والمعروفة بالتكفير والهجرة (1942 ـ 1978)”.

ووفق خليفة، فإن “الفكر التكفيري قديم، ولكنه صار عنيفا في السودان، وحتى من التحق بداعش فقد تم تجنيدهم من خلال أجانب.. والتكفيريون معزولون، وأفكارهم لا تجد رواجا، لأسباب تتعلق بالشخصية السودانية التي لا تتعايش” بسرعة مع الأفكار المتشددة، وإنما تتأثر حالات فردية فقط بها.

ويمضي الأكاديمي السوداني في حديثه للأناضول قائلا: “أعدادهم قليلة في السودان، وهم عبارة عن مجموعات يصل عددها إلى 7 مجموعات، منها السلفية الجهادية التي كنت ترتبط بتنظيم القاعدة، أما البقية فهي مجموعات قد تكون مرتبطة بأشخاص”.

ويرى كثير من المراقبين للشأن السوداني أن بوادر ظهور الغلو في السودان، تزامنت مع مرحلة نهاية الجهاد الأفغاني، وكان دخول زعيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن وبعض أنصاره غير السودانيين إلى الخرطوم عام 1991 واستمرارهم في البلاد حتى 1996، سببا في تزايد العنف.

ـ الحركة الإسلامية

نشأت في أربعينيات القرن الماضي من مجموعتين، الأولى دعوية طلابية درست في مصر وتأثرت بفكر الإخوان المسلمين، والثانية مجموعة الطلاب السودانيين بالداخل، غير أنه جمعهما هدف واحد هو التعبير عن الإسلام السني الوسطي.

وفي عام 1954، بدأ النشاط المنظم للمجموعتين عبر الاندماج في مجموعة واحدة تحت اسم “الحركة الإسلامية السودانية”، غير أنه بعد ذلك تغير اسمها أكثر من مرة، لكنها تحتفظ بهذا الاسم منذ عام 2004، وتعد المرجعية الفكرية لحزب المؤتمر الوطني الحاكم.

ففي عام 1968 تغير اسم الحركة الإسلامية إلى “جبهة الميثاق الإسلامي”، وفي 1969 صارت “الإخوان المسلمين”، وانتخب الراحل حسن الترابي أمينا عاما لها، ما أدى إلى خروج مجموعة كبيرة من قادتها.

وبعد الإطاحة بحكم جعفر نميري بعام، اتخذ الترابي وأنصاره “الجبهة الإسلامية القومية” اسما لحراكهم الإسلامي عام 1986.

فيما ظل “الإخوان المسلمون” تنظيما وحده بقيادة الراحل صادق عبد الله عبد الماجد (رحل قبل أيام)، والحبر يوسف نور الدائم، وما زال يحمل اسم حركة “الإخوان المسلمين”.

فيما سيطر الإسلاميون بقيادة الترابي على السلطة عام 1989 بانقلاب نفذه العقيد عمر البشير (رئيس البلاد حاليا)، لينشئ الترابي حزب “المؤتمر الوطني” في 1994، الذي انقسم لاحقا إلى حزبين، الأول هو “المؤتمر الوطني” (الحزب الحاكم) ويقوده البشير وظلت الحركة الإسلامية مرجعيته الفكرية حتى يومنا هذا، والثاني هو “المؤتمر الشعبي” (أسسه الترابي ومجموعته).

وفي 2013 خرج المستشار السابق للرئيس السوداني غازي صلاح الدين ومعه مجموعة عرفت بالإصلاحيين من المؤتمر الوطني، وأنشأوا حركة “الإصلاح الآن” بقيادة غازي.

ـ الطرق الصوفية

يعتبر كثير من المؤرخين أن بداية انتشار الصوفية في السودان بشكل واضح كان في القرن الرابع عشر، مع وصول الشيخ غلام الله بن عائد اليمني إلى مدينة دنقلا شمالي السودان، وتبعه الشيخ حمد أبو دنانة الذي قدم من المغرب في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، بحسب المؤرخ والكاتب السوداني يوسف فضل.

ويضيف فضل في مقال سابق له بعنوان “لمحات من التصوف في السودان.. جذوره وتطوره”، أن “بعض المراجع تشير إلى أن الطريقة الشاذلية كانت أول الطرق الصوفية انتشارا في السودان، ولكن ليس هناك الكثير الذي يعرف عن هذه الفترة”.

ومن أشهر الطرق الصوفية في البلاد الطريقة القادرية، وتنسب إلى عبد القادر الجيلاني (1077 ـ 1166م) الذي عاش في بغداد، وكذلك الطريقة الشاذلية التي تنسب إلى أبي الحسن الشاذلي المولود بالمغرب (1196 ـ 1258م) ثم هاجر إلى تونس وإلى مصر.

وكذلك من أكبر الطرق الصوفية في السودان الطريقة “السمانية والتجانية”، ورغم ابتعاد الطرق الصوفية نسبيا عن السياسة، إلا أن الطريقة الختمية وجدت رواجا كبيرا في التاريخ السياسي الحديث للسودان، ويترأس زعيمها محمد عثمان الميرغني أحد أكبر الأحزاب السياسية السودانية، وهو “الحزب الاتحادي الأصل” (مشارك في الحكومة).

وإجمالا، تنتشر حوالي 40 طريقة صوفية في البلاد، وتحظى بمؤيدين في جميع أنحاء السودان، بحسب مراقبين متخصصين في تاريخ الحركة الإسلامية بالبلاد.

وفي السنوات الأخيرة برز صراع بين مشايخ الطرق الصوفية وجماعة “أنصار السنة”، فمنذ عام 2012 تكررت الاشتباكات بينهما في احتفالات المولد النبوي الشريف، ما أدى إلى وقوع إصابات في ظاهرة اعتبرت دخيلة، حيث يرفض “أنصار السنة” إقامة احتفالات لميلاد النبي محمد خاتم المرسلين بدعوى عدم وجود أصل لذلك في الكتاب والسنة.

وفي المقابل، اعتاد أهل الصوفية الاحتفاء بميلاد المصطفى، وتنظيم الاحتفالات بالمدائح النبوية والذكر، والأناشيد الدينية، بغرض هذه المناسبة.

ويقلل الصحفي لؤي عبد الرحمن من الخلاف بين جماعة “أنصار السنة” والطرق الصوفية، ويقول إن الأولى “ترفض بعض سلوكيات الصوفية لأنها خاطئة بحسب رأيهم، ولا يرفضون التصوف في حد ذاته”.

الخرطوم(كوش نيوز)

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *